جارتي الجديدة كانت بتدفن بيض نيئ
وأنا مش مستوعبة إن جارتي الجديدة، اللي كنت فاكرة إنها بتعمل سحر كل فجر، طلعت بتدور على حقيقة عائلتها المدفونة تحت أرض بيتي.
لكن قبل ما نقدر نستوعب الصدمة، الضابط تلقى اتصالًا.
سمعناه يقول
أيوه... لقينا الصندوق.
سكت ثواني، ثم تغيرت ملامح وجهه تمامًا.
قال
إيه؟!
وبعدها أغلق الهاتف ونظر إلينا.
وقال
في مشكلة كبيرة.
سأله سامح
إيه اللي حصل؟
الضابط رد
التحليل الأولي للجثة اللي لقيناها تحت الشجرة بيقول إن عمرها وقت الوفاة كان حوالي ست سنين...
ليلى قالت
أختي كان عمرها أربع سنين.
الضابط هز رأسه.
وعشان كده الجثة دي مش أختك.
ثم نظر إلى نجلاء مباشرة وقال
إحنا لقينا جثة طفلة تانية... وده معناه إن فيه ضحية تانية مدفونة هنا غير اللي كنا بندور عليها.
وفي اللحظة دي، نجلاء بصت للجنينة وقالت بصوت خافت
أنا عارفة مين هي.
وسكتت لحظة، ثم قالت
دي البنت اللي كانت أمي بتقول لي طول عمري إن ممنوع أسأل عنها.
نجلاء كانت واقفة وسط الجنينة، وشها شاحب، وعينيها مثبتة على الحفرة.
قالت بصوت مرتعش
اسمها مريم.
الضابط سألها بسرعة
مين مريم؟
قالت
كانت بنت صغيرة بتعيش معانا... بس أمي كانت بتقول لي إنها بنت واحدة قريبتنا وجت تقعد عندنا فترة.
ليلى قربت منها وقالت
إنتِ فاكرة شكلها؟
نجلاء هزت رأسها.
أيوه... كانت أكبر مني بسنة تقريبًا.
ثم وضعت يدها على فمها وقالت
يا نهار أبيض... أنا كنت فاكرة إنها اختفت.
الضابط سأل
اختفت إمتى؟
نجلاء قالت
في نفس السنة اللي اختفت فيها ليلى.
ليلى اتجمدت.
يعني كانت تعرفني؟
نجلاء بصت لها وقالت
كانت بتقول لي إن عندها سر... وإنها شافت حاجة في البيت.
سامح قال
إيه الحاجة دي؟
نجلاء ردت
مش فاكرة كل الكلام... بس فاكرة جملة واحدة كانت بتكررها.
الضابط اقترب منها
إيه هي؟
قالت
كانت بتقول أبو سامح مش هو اللي قتل أبوها.
الكل سكت.
سامح قال
أبويا؟
نجلاء هزت رأسها.
كانت بتقول إن فيه شخص تاني.
ليلى بصت للرجل الغريب الذي كان يقف تحت حراسة الشرطة.
الرجل قال
قلت لكم... أنا مش القاتل.
الضابط سأله
طب مين؟
ابتسم الرجل ابتسامة غريبة وقال
الشخص اللي كان عنده مفتاح البيت.
سامح قال
المفتاح كان مع أبويا.
الرجل رد
لأ.
ثم نظر إلى نجلاء.
كان مع أمك.
نجلاء بدأت تبكي.
قالت
أمي؟
الرجل أضاف
أمك هي اللي فتحت الباب في الليلة دي.
الضابط أمر رجاله بتفتيش البيت بالكامل.
وبعد دقائق، أحدهم نادى من الداخل
حضرة الضابط! لقينا حاجة.
دخلنا جميعًا.
كان الشرطي واقف أمام دولاب قديم، وفي إيده صندوق صغير.
فتحه، فظهر داخله مفتاح نحاسي قديم وصورة لثلاث طفلات.
ليلى ونجلاء بصوا للصورة.
أما الطفلة الثالثة فكانت مريم.
لكن كان فيه شيء أغرب.
خلف الصورة كان مكتوب
الثلاثة يعرفون الحقيقة... لكن واحدة فقط ستنجو.
نجلاء شهقت
إحنا كنا تلاتة!
ليلى قالت
يعني أمي كانت عارفة إننا كنا بنشوف كل حاجة.
الضابط قال
والطفلة الثالثة كانت الشاهدة الوحيدة.
ثم قلب الصورة، ووجد ورقة صغيرة مخبأة خلفها.
فتحها وقرأ
لو وصلتم إلى هذه الورقة، ابحثوا عن البيت الثاني، لا البيت الأول.
قلت
بيت إيه؟
سامح فجأة بص ناحية ليلى وقال
بيت العيلة القديم.
ليلى هزت رأسها
اتبع.
الضابط سأل
فين؟
سامح قال
على بعد حوالي عشرة كيلومترات من هنا.
تحركنا جميعًا إلى البيت القديم تحت حراسة الشرطة.
كان البيت مهجورًا من سنين، والباب مغطى بالتراب.
أخرج سامح المفتاح النحاسي الذي وجدناه، وأدخله في القفل.
الباب اتفتح.
دخلنا.
وفي أول غرفة، كان فيه حائط مليان صور قديمة.
صور للعائلة.
لكن في منتصف الحائط كانت صورة واحدة مقلوبة.
الضابط قلبها.
كانت صورة لمريم.
وتحتها تاريخ اليوم الذي اختفت فيه.
ليلى اقتربت منها، ثم لاحظت شيئًا خلف الإطار.
سحبت ورقة مطوية.
فتحتها.
وكان مكتوبًا
مريم لم تُقتل هنا... لقد خرجت من هذا البيت وهي حية.
الكل اتصدم.
سامح قال
يعني الجثة اللي لقيناها مش مريم؟
الضابط رد
وده معناه إن مريم ممكن تكون عايشة حتى الآن.
فجأة سمعنا صوت حركة في الدور العلوي.
الشرطة رفعت أسلحتها وصعدت بسرعة.
وبعد ثوانٍ سمعنا صوت امرأة تصرخ
ما تدخلوش!
ثم صوت خطوات بتجري.
الضابط صرخ
قف مكانك!
لكن المرأة لم تتوقف.
هربت ناحية الشرفة.
ولما لحقت بها الشرطة، كانت واقفة عند الحافة.
التفتت لنا...
وكانت امرأة كبيرة في السن.
نظرت إلى ليلى وقالت
أخيرًا رجعتي.
ليلى اتسمرت مكانها.
وقالت
إنتِ مين؟
المرأة ابتسمت وقالت
أنا مريم.
وقفت ليلى مكانها مش قادرة تنطق، وقالت
إنتِ... مريم؟!
المرأة هزت رأسها، وبدأت دموعها تنزل.
أيوه... أنا مريم. والسنين دي كلها كنت مستنية اليوم اللي أقدر فيه أرجع وأقول الحقيقة.
الضابط قرب منها بهدوء، وقال
إحنا محتاجين نعرف كل اللي حصل.
مريم بصت لليلى ونجلاء، وقالت
أبوكم اكتشف إن جدكم كان بيزور أوراق الملكية ويسرق أموال العيلة، ولما حاول يفضحه، قرروا يتخلصوا منه. أنا كنت طفلة، وشفتهم وهما بيتخانقوا. ولما عرفوا إني شفت حاجة، حاولوا يخفوني.
ليلى قالت
طب وإحنا؟
مريم ردت
أمكم كانت بتحاول تحميكم. أخفت ليلى في مكان آمن، وخلت الناس تفتكر إنها هربت، وخدتني أنا بعيد عن البيت. لكن للأسف، واحدة تانية اتقتلت في الليلة دي، والجثة اتدفنت هنا عشان يفتكر الجميع إن مريم ماتت.
نجلاء كانت بتبكي وقالت
وأمي؟
مريم ردت
أمك عاشت طول عمرها وهي خايفة إن الحقيقة تظهر، لكنها قبل موتها اعترفت بكل حاجة وسبت لي رسالة.
أخرجت مريم ظرفًا قديمًا من حقيبتها، وسلمته لنجلاء.
فتحته، وكانت فيه كلمات قليلة
سامحيني يا ابنتي... كنت أحاول حمايتك، لكن خوفي جعلني أعيش طوال عمري وأنا أخفي الحقيقة.
نجلاء ضمت الرسالة إلى صدرها وانفجرت في البكاء.
أما ليلى، فكانت واقفة تنظر إلى مريم، ثم احتضنتها لأول مرة بعد عشرات السنين.
الشرطة قبضت على الرجل الذي كان متورطًا في إخفاء الحقيقة، وبعد التحقيق ظهرت المستندات التي تثبت تزوير ملكية البيت والأرض، وتمت إعادة الحقوق لأصحابها.
أما الجثة التي عُثر عليها تحت الشجرة، فأثبتت التحقيقات أنها لطفلة أخرى كانت ضحية للجريمة القديمة، وتمكنت الشرطة أخيرًا من الوصول إلى عائلتها.
وبعد أيام، انتهت قصة البيت القديم، لكن بقي شيء واحد يشغل بالي.
كنت كل ما أفتكر نجلاء وهي بتدفن البيض قبل الفجر، أحس بالقشعريرة.
وفي يوم سألتها
ليه البيض بالذات؟
ابتسمت وقالت
مريم هي اللي علمتني الطريقة. كنا وإحنا أطفال بنستخدم البيض كعلامة على الأماكن اللي كنا بنلاقي فيها آثار حفر قديمة.
ضحكت وقلت
وأنا كنت فاكرة إنك بتعملي سحر!
ضحكت هي كمان وقالت
لو كنتي واجهتيني وقتها، كان ممكن كل الحقيقة تضيع.
ومن يومها، بقى السور الجديد موجود بين بيتنا وبيت نجلاء، لكن المرة دي ما كانش مجرد سور يفصل بين بيتين...
كان شاهدًا على سر ظل مدفونًا عشرات السنين، وانكشف أخيرًا بسبب كاميرا صغيرة وبيضة نيئة كانت سببًا في فتح واحدة من أغرب الحكايات اللي عشتها في حياتي.