جارتي الجديدة كانت بتدفن بيض نيئ

لمحة نيوز


إيه؟!
قال
الرسالة دي وصلتني من أسبوع... قبل ما نسكن هنا.
وسكت لحظة، ثم أكمل
مكتوب فيها إن ليلى عايشة، وإنها عارفة مين خبّاها كل السنين دي... وإنها هترجع للبيت اللي اختفت منه.
في اللحظة دي، سمعنا صوت طرقات على السور القديم من ناحية الجنينة.
ثلاث خبطات متتالية.
نجلاء مسكت دراعي، وأنا بصيت ناحية الصوت.
كان فيه ظل شخص واقف خلف الأشجار.
جوز نجلاء خرج يجري، لكن قبل ما يوصل، الشخص اختفى.
وفي مكانه لقينا ورقة جديدة متعلقة في غصن الشجرة.
نجلاء فتحتها، وكان مكتوب فيها
أنا مش بدور على الحقيقة... أنا جايّة آخد حقي.
وبمجرد ما خلصت قراءة الجملة، رن موبايل جوز نجلاء.
بص للشاشة، واتجمد مكانه.
قلت له
مين؟
قال بصوت بالكاد مسموع
رقم أمي...
نجلاء صرخت
بس أمك ماتت من عشر سنين!
رد على المكالمة، وحط السماعة على أذنه.
ثواني من الصمت مرت...
ثم سمعنا صوت امرأة عجوز من الطرف الآخر تقول
ابني... لو فتحت الصندوق، ما تفتحش الباب للي هتخبط عليك بعد شوية.
وبعدها انقطع الاتصال.
وفي نفس اللحظة...
اتسمع طرق شديد على باب بيت نجلاء.
ثلاث خبطات.
ثم صوت امرأة من الخارج
افتح يا سامح... أنا ليلى.
اتجمدنا كلنا مكاننا.
نجلاء بصت لجوزها وقالت
إنت اسمك سامح؟ وليه الست دي بتقول إنها ليلى؟!
سامح ما ردش، وفضل واقف قدام الباب وهو بيبص للعين السحرية من غير ما يتحرك.
الطرق اتكرر.
سامح... افتح. أنا عارفة إنك جوا.
نجلاء قربت منه وهمست
إنت تعرفها؟
قال بصوت مكسور
أيوه... بس مش بالشكل اللي إنتِ فاكرة.
فتح الباب ببطء.
كانت واقفة قدامنا ست في أواخر الخمسينات، شعرها فيه خصلات بيضاء، وفي إيدها حقيبة جلد قديمة.
بصت لسامح طويلًا، وبعدها قالت
كبرت يا ابن أختي.
سامح رجع خطوة لورا كأنه اتضرب.
نجلاء شهقت
ابن أختها؟!
الست دخلت من غير ما تستأذن، وحطت الحقيبة على الترابيزة، وطلعت منها صورة قديمة.
كانت نفس الصورة اللي لقيناها في الصندوق.
وأشارت للرجل اللي واقف جنب والد سامح وقالت
ده أبويا.
ثم أشارت لنفسها وقالت
وأنا ليلى.
سألناها إحنا الاتنين في نفس اللحظة
إزاي؟!
ابتسمت ابتسامة حزينة وقالت
لأن اللي اتقال عني طول السنين دي كان كذبة.
جلست، وبدأت تحكي.
قالت إن والدها كان يملك البيت، وإنه في ليلة اختفائها اكتشف أن أخاه سرق مبلغًا كبيرًا من المال ووثائق مهمة من البيت.
ولما واجهه، حصلت خناقة كبيرة.
كانت ليلى وقتها طفلة، وشافت كل حاجة من خلف باب الغرفة.
لكن قبل ما تقدر تتكلم، عمها أخذها وخبّاها في بيت امرأة من معارفه خارج المدينة، وقال للجميع إنها هربت.
وأضافت
فضلت هناك سنين... ولما كبرت، عرفت الحقيقة.
قلت لها
طب ليه رجعتي دلوقتي؟
فتحت الحقيبة، وأخرجت مجموعة أوراق قديمة.
وقالت
لأن أبويا قبل ما يموت كتب إن البيت والأرض دول حقي أنا... لكن عمي زور الأوراق وخلاها باسم ابنه.
سامح بص للأوراق، وقال
يعني أبويا...
قاطعت كلامه
أبوك كان عارف.
ساد صمت ثقيل.
ثم قالت
وعشان كده أنا طلبت من سامح ييجي يعيش هنا معايا من غير ما نجلاء تعرف الحقيقة كاملة.
نجلاء بصت لجوزها بصدمة
إنت كنت متواطئ معاها؟!
هز سامح رأسه بسرعة
لا، والله! أنا عرفت كل حاجة قبل ما نتجوز، وكنت بحاول أصلح غلط أبويا.
قلت
والبيض؟ إيه حكاية البيض اللي كنتي بتدفنيه كل يوم؟
ابتسمت ليلى لأول مرة.
وقالت
ده مش سحر ولا أعمال.
ثم أخرجت من الحقيبة جهازًا صغيرًا.
البيض كان مجرد علامة. كنت بحطه فوق الأماكن اللي أجهزة البحث بتحدد إن تحتها فراغات أو حاجات مدفونة.
نجلاء قالت
يعني إنتِ كنتي بتدوري على إيه؟
ليلى بصت للصندوق الموجود أمامنا وقالت
على الدليل الأخير.
ثم فتحت الجيب الداخلي للحقيبة وأخرجت مفتاحًا صغيرًا.
حطته فوق الترابيزة وقالت
لكن الصندوق اللي لقيتوه مش هو الصندوق اللي بدور عليه.
في اللحظة دي، سامح سألها
أمال الصندوق الحقيقي فين؟
ليلى بصت ناحيتي مباشرة، وقالت
تحت جنينتك إنتِ.
قلبي وقع في رجلي.
جنينتي أنا؟!
هزت رأسها وقالت
أيوه... وأنتِ الوحيدة اللي تقدري تساعديني نطلعه.
خرجنا كلنا للجنينة، ووقفت ليلى عند شجرة الليمون اللي كنت مخبية فيها الكاميرا.
أشارت للأرض تحتها وقالت
هنا.
بدأ سامح يحفر، وبعد دقائق اصطدمت المجرفة بشيء معدني.
ظهر صندوق أسود صغير.
لكن قبل ما نلمسه، ليلى قالت
استنوا.
وبصت لسامح وقالت
لو الصندوق ده هو اللي فاكرة... الحقيقة اللي جواه هتغيّر كل حاجة.
فتح سامح القفل بالمفتاح.
رفع الغطاء ببطء.
وفي اللحظة اللي شوفنا فيها اللي جوه، نجلاء حطت إيدها على فمها، وأنا حسيت إن رجلي مش شايلاني.
لأن الصندوق ما كانش فيه فلوس ولا أوراق ملكية...
كان فيه شريط تسجيل قديم، وصورة لليلى وهي طفلة، ورسالة مكتوب عليها بخط والد سامح
إذا وصلت هذه الرسالة إلى ابنتي ليلى، فاعلمي أنني لم أترككِ بإرادتي...
لكن آخر سطر في الرسالة كان هو الأخطر
والشخص الذي خانني... ليس أخي.
رفعنا جميعًا رؤوسنا في نفس اللحظة.
لأن الخيانة كانت من شخص آخر...
شخص كان واقفًا بيننا طوال الوقت.
فضلنا واقفين حوالين الصندوق، محدش فينا قادر ينطق.
سامح مسك الرسالة بإيده وقرأ آخر سطر مرة تانية
والشخص الذي خانني... ليس أخي.
ليلى خطفت الرسالة منه وقالت
كنت عارفة إن اليوم ده هييجي... بس ما توقعتش إني هكون واقفة معاه وقت ما أعرف الحقيقة.
سامح بص لها وقال
مع مين؟
ليلى رفعت عينيها ناحية سامح، وبعدين بصت لنجلاء.
قالت
مع والدك.
سامح رجع خطوة للخلف.
أبويا مات من سنين!
ردت ليلى
أنا عارفة... لكن الخيانة حصلت قبل ما يموت.
فتحت الشريط القديم، لكن ما كانش عندنا جهاز يشغله.
وفجأة نجلاء قالت
أنا عندي جهاز تسجيل قديم في البيت.
دخلت تجيبه، وبعد دقائق رجعت وحطينا الشريط فيه.
صدر صوت تشويش، وبعدها ظهر صوت رجل واضح رغم قدم التسجيل.
كان صوت والد ليلى.
قال
لو أنت بتسمع التسجيل ده، يبقى أنا ما قدرتش أقول الحقيقة وأنا عايش.
سكت ثواني، ثم أكمل
ليلى لم تهرب... وأنا أخفيتها بنفسي.
ليلى شهقت
إيه؟!
سامح قرب من الجهاز.
الصوت استمر
كنت بحاول أحميها من الشخص اللي اكتشف سرنا.
ثم سمعنا صوت باب بيتفتح في التسجيل، وبعده صوت امرأة تقول
لازم تختار... بنتك ولا حياتك.
التسجيل توقف فجأة.
ساد الصمت.
قلت
مين الست دي؟
ليلى كانت بتبص للأرض، وكأنها بدأت تفهم حاجة.
قالت
الصوت ده...
وسكتت.
سامح سألها
إنتِ تعرفيه؟
رفعت عينيها وقالت
أيوه.
ثم أشارت إلى نجلاء.
دي أمك.
نجلاء شهقت
أمي؟!
قالت ليلى
أمك كانت عارفة كل حاجة.
سامح بدأ يهز رأسه
مستحيل... أمي ماتت وهي طول عمرها بتقول إنها ما تعرفش حاجة.
ليلى فتحت الحقيبة مرة تانية وأخرجت صورة.
كانت صورة لامرأة شابة واقفة بجوار والد سامح.
ناولتها لنجلاء.
بمجرد ما شافت الصورة، وقعت منها على الأرض.
قالت بصوت مرتعش
دي أمي... بس مين البنت اللي واقفة جنبها؟
ليلى ردت
أنا.
نجلاء بصت لها، وبعدها للصورة، وقالت
إزاي؟ الصورة دي عمرها أكتر من خمسين سنة... وإنتِ كنتِ طفلة!
ابتسمت ليلى بحزن وقالت
لأن الصورة اتصورت قبل اختفائي بأيام.
في اللحظة دي، سمعنا صوت سيارة توقفت قدام البيت.
وبعد ثواني، حد خبط على الباب.
سامح راح يفتح، لكن ليلى منعته.
قالت
ما تفتحش.
سألها
مين؟
ردت
الشخص اللي كان بيدور على الصندوق قبلي.
الخبط زاد.
وبعدين سمعنا صوت رجل من الخارج
سامح... افتح. أنا عارف إن ليلى عندك.
سامح بص لنا بصدمة.
قلت
مين ده؟
قبل ما يرد، ليلى اقتربت من الباب وقالت
هو أخوك.
سامح اتجمد.
أخويا؟ أنا معنديش أخ!
ليلى ردت بهدوء
عندك... بس أنت طول عمرك فاكر إنه مات وهو صغير.
نجلاء بصت لسامح، وسامح بص ليلى.
وفجأة الصوت من خلف الباب قال
ليلى... المرة دي مش هتقدري تهربي.
وفي اللحظة دي فهمنا إن اختفاء ليلى من عشرين سنة ما كانش نهاية الحكاية...
كان مجرد أول فصل فيها.
سامح فضل واقف قدام الباب مش قادر يستوعب كلام ليلى.
قال بصوت منخفض
أخويا مات وهو عنده خمس سنين... أمي وأبويا قالوا لي كده طول عمري.
ليلى ردت
ما ماتش.
وفجأة الخبط على الباب وقف.
وبعد ثواني سمعنا صوت مفتاح
 

تم نسخ الرابط