دفنت مراتي بقلم زهرة الربيع
أخيرًا وصلتوا للجزء الصح من القصة.
التفتنا جميعًا.
وتوقفت أنفاسي.
لأن صاحبة الصوت...
كانت امرأة تشبه فريدة بشكل لا يُصدق التفتُّ ببطء.
قلبي كان بيخبط بعنف لدرجة إني حسيت إن الكل سامعه.
المرأة كانت واقفة عند مدخل السطح.
نفس الطول.
نفس العينين.
نفس ملامح فريدة.
حتى طريقة وقفتها.
للحظة، عقلي رفض يصدق أي تفسير غير واحد.
همست
فريدة...
الدموع نزلت من عيني دون إرادة.
لكن المرأة هزت رأسها ببطء.
لا يا سليم.
تجمدت في مكاني.
إيه؟
أنا مش فريدة.
سكتت لحظة.
ثم قالت
أنا نادين.
نظرت إلى الصورة اللي في الملف.
ثم إليها.
ثم للصورة مرة أخرى.
كانت الطفلة الثانية.
التوأم.
الشخص الذي قيل إنه اختفى منذ أكثر من عشرين سنة.
نادية جلست على الكرسي وكأن ساقيها لم تعودا تحملانها.
أما الرجل صاحب الملف 24 فتنهد وقال
وأخيرًا... بقت كل الأطراف موجودة.
لكن نادين قاطعته فورًا
لا.
ثم نظرت إليّ مباشرة.
لسه أهم شخص مش موجود.
مين؟
أجابت دون تردد
فريدة.
ساد الصمت.
شعرت أن رأسي سينفجر.
يعني إيه؟! من ساعة وإنتوا بتقولوا فريدة ماتت... وبعدين عايشة... وبعدين مش هي... وبعدين في توأم... إيه الحقيقة؟!
نادين أغمضت عينيها.
ثم قالت
الحقيقة إن فريدة موجودة.
تجمد الجميع.
حتى الدكتور شريف رفع رأسه بسرعة.
إنتِ متأكدة؟
أيوة.
فين؟
نظرت نادين ناحية يوسف.
ثم قالت
هي اللي بعتت الرسائل.
أنا وحسام تبادلنا النظرات.
إذًا فريدة هي فعلًا صاحبة الرقم
هي صاحبة الصور.
هي صاحبة المكالمات.
لكن السؤال الأكبر ظل قائمًا.
إذا كانت حية...
فلماذا اختفت؟
ولماذا تركت ابنها؟
ولماذا سمحت لنا ندفن قبرًا باسمها؟
نادين أخذت نفسًا عميقًا.
ثم قالت
لأنها كانت مقتنعة إن ظهورها هيقتل ناس.
في تلك اللحظة دوى صوت رسالة جديدة.
لكن هذه المرة لم تصل لهاتفي.
وصلت لهاتف الرجل صاحب الملف 24.
فتحها.
وتغير وجهه فورًا.
مستحيل.
إيه؟
رفع الهاتف أمامنا.
كانت صورة حديثة التُقطت منذ ثوانٍ فقط.
صورة لنا جميعًا فوق السطح.
لكن هذه المرة ظهر فيها شيء لم ننتبه له.
شخص واقف خلف خزان المياه الكبير في آخر السطح.
شخص يراقبنا.
كبرنا الصورة.
ومع كل تكبير كانت الملامح تظهر أكثر.
ثم أكثر.
ثم أكثر.
وفجأة...
شهق الدكتور شريف.
وسقط الهاتف تقريبًا من يد الرجل.
أما نادين فوضعت يدها على فمها.
لأن الشخص المختبئ خلف الخزان...
لم يكن غريبًا.
ولم يكن مجهولًا.
كان شخصًا يفترض أنه مات منذ سنوات طويلة.
الشخص الذي بدأت قصته مع فريدة قبل أكثر من عشر سنوات.
والاسم المكتوب في الملف 24 نفسه.
وفي اللحظة التي التفتنا فيها جميعًا نحو خزان المياه...
لم نجد أحدًا هناك.
لكن على الأرض، مكان وقوفه، كانت ورقة واحدة فقط.
ورقة مطوية.
وعليها بخط واضح
لو عايزين الحقيقة كلها... هاتو فريدة بنفسها.
ثم في أسفل الورقة سطر أخير جعل الرعب يتسلل إلى قلوب الجميع
لأن فريدة هي الوحيدة اللي تعرف مين يوسف فعلًا ساد
كل الأسرار، كل المطاردات، كل الملفات والرسائل، كانت بتلف حوالين سؤال واحد
مين يوسف فعلًا؟
بعد ساعات من التوتر والجدال، وافقت نادين أخيرًا إنها تقول المكان اللي كانت فريدة مستخبية فيه.
وفي صباح اليوم التالي، اتحركنا كلنا للمكان.
بيت قديم معزول على أطراف المدينة.
قلبي كان بيدق بعنف طول الطريق.
مش عارف أنا رايح أقابل مراتي اللي دفنتها بإيديا...
ولا رايح أقابل أكبر كذبة في حياتي.
وصلنا.
نادين فتحت الباب.
ودخلت تنادي
فريدة... خلاص... انتهى الهروب.
ثواني مرت.
ثم خرجت امرأة من إحدى الغرف.
ولما شفتها...
عرفت فورًا.
كانت فريدة.
حية.
قدامي.
بلحمها ودمها.
وقعت على ركبتي من الصدمة.
أما هي فبكت.
بكت كما لم أرها تبكي من قبل.
وقالت
سامحني يا سليم.
لم أستطع الرد.
كنت بين الغضب والفرحة والصدمة.
بعد ساعات طويلة من الكلام...
ظهرت الحقيقة كاملة.
منذ أكثر من عشر سنوات، كانت فريدة تعمل متطوعة في دار رعاية أطفال.
وفي ليلة معينة، وقع حادث كبير أدى إلى فقدان أوراق طفل رضيع مجهول الهوية.
الطفل كان يوسف.
لا أحد عرف أهله الحقيقيين.
وفريدة تعلقت به واعتبرته ابنها.
لكن أشخاصًا أصحاب نفوذ حاولوا استخدام الطفل لاحقًا لأسباب تتعلق بميراث وثروة قديمة مرتبطة بعائلة كبيرة.
ولما رفضت فريدة تسليمه، بدأت سنوات من التهديدات والمطاردات.
أما حسام، فلم يكن زوجها.
كان مجرد شخص ساعدها في إخفاء يوسف.
وأما الدكتور
وعندما حملت فريدة من سليم، شعرت أن الخطر عاد من جديد.
وبعد ولادتها، اكتشفت أن هناك من يراقبها ويقترب من الوصول إلى يوسف.
لذلك رتبت خطة اختفائها.
الشخص الذي دُفن لم يكن فريدة، بل امرأة مجهولة توفيت في المستشفى في الليلة نفسها، وتم استغلال الفوضى لإخفاء أثر فريدة وإنقاذ يوسف.
كانت خطة خاطئة ومؤلمة، لكنها ظنت أنها الحل الوحيد.
أما الملف 24...
فكشف أخيرًا أن يوسف لم يكن وريثًا لثروة ولا ابنًا لشخصية نافذة كما ظن الجميع.
بل كان طفلًا ضائعًا اختلطت حوله الأكاذيب والشائعات حتى تحولت حياته إلى لغز كبير.
وفي النهاية، لم تكن القضية قضية مال أو نفوذ.
كانت قضية أم ضحت بعمرها كله لتحمي طفلًا اعتبرته ابنها.
بعد شهور طويلة، أُغلقت التحقيقات.
واختفت الأسماء الغامضة من المشهد.
وبقي القرار الأصعب في حياة سليم.
هل يسامح فريدة؟
هل يغفر لها أنها جعلته يعيش مأساة دفنها وهي حية؟
مرت الأيام...
ثم الشهور...
وفي يوم هادئ، كان سليم جالسًا في حديقة المنزل يراقب يوسف وهو يلعب.
اقتربت فريدة وجلست بجانبه.
ساد الصمت للحظات.
ثم قالت
لو رجع بيا الزمن... كنت هقولك الحقيقة.
نظر إليها طويلًا.
ثم قال
ولو رجع بيا الزمن... كنت هختارك برضه.
انهمرت دموعها.
وأمسكت يده.
وفي تلك اللحظة، ركض يوسف نحوهما وهو يضحك.
احتضناه معًا.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة...
لم
ولا من أين جاء.
ولا ماذا تقول الملفات.
لأن الحقيقة الوحيدة التي بقيت هي
أن العائلة لا يصنعها الدم دائمًا... بل يصنعها الحب والوفاء والتضحية.
تمت.