دفنت مراتي بقلم زهرة الربيع

لمحة نيوز


أخطر بكتير.
لكن الشخص اللي مسجل في الأوراق على إنه أبوه... مش أبوه الحقيقي.
وقبل ما أكمل باقي الرسالة...
سمعنا فجأة صوت تكسير زجاج قوي من الصالة.
كلنا انتفضنا.
لفينا بسرعة.
ولقينا شباك الشقة متكسر.
وفي وسط الأرضية حجر ملفوف حوالين ورقة.
فتح حسام الورقة بسرعة.
ولون وشه اختفى تمامًا.
خطفته من إيده.
وكان مكتوب فيها
اقفلوا الملف قبل ما تموتوا زي فريدة.
ثم في آخر الورقة...
كان فيه اسم واحد فقط.
اسم شخص كنت أعرفه جيدًا جدًا...
شخص كنت بثق فيه أكتر من أي حد في الدنيا.
لكن لحظة ما قرأت الاسم...
عرفت إن اللي حصل لفريدة ربما ما كانش وفاة طبيعية أصلًا فضلت باصص للاسم ثواني طويلة، وعيني مش مصدقة اللي شايفاه.
الاسم كان
الدكتور شريف.
دكتور النساء والتوليد اللي تابع حمل فريدة من أول يوم.
نفس الدكتور اللي خرج يوم ولادتها وقال لي البقاء لله.
حسام خطف الورقة من إيدي تاني وقرأ الاسم، وبعدها رفع عينه ناحيتي وقال
إنت تعرفه؟
هززت راسي ببطء.
ده الدكتور اللي كان متابع حالتها كلها.
ساعتها البواب العجوز شهق فجأة.
شريف؟!
بصينا له كلنا.
كان وشه شاحب بشكل غريب.
إنت تعرفه كمان؟
قعد على أقرب كرسي وكأنه فقد قوته مرة واحدة.
شوفت الراجل ده أكتر من مرة هنا.
هنا فين؟
في الشقة دي.
سكتنا كلنا.
حسام قرب منه بسرعة
إمتى؟
آخر مرة كانت قبل حوالي سنة وشهرين... قبل جوازك من فريدة بأيام.
قلبي بدأ يخبط بقوة.
كان بيعمل إيه هنا؟
العجوز هز رأسه.
معرفش... بس كان فيه خناقة كبيرة بينه وبين فريدة.
خناقة على إيه؟
سمعت فريدة بتصرخ فيه وتقول مش هسمحلك تاخده مني.
بصيت ناحية يوسف تلقائيًا.
والعجوز كمل
وبعدها الراجل خرج وهو متعصب جدًا.
عمّ الصمت المكان.
كل قطعة من الأحجية كانت بتخلي الصورة أعقد.
فتحت الملف اللي كان جوه الصندوق بسرعة.
أول كام ورقة كانوا أوراق طبية قديمة.
تحاليل.
تقارير مستشفيات.
وأوراق حضانة.
لكن فجأة سقطت صورة من بين الأوراق.
التقطتها.
وأول ما بصيت فيها حسيت إن أنفاسي وقفت.
الصورة كانت لفريدة.
حامل في الشهور الأخيرة.
لكن التاريخ المطبوع أسفل الصورة كان من إحدى عشرة سنة.
إحدى عشرة سنة!
يعني قبل ما أعرفها بسنين طويلة.
وقبل ما يوسف يتولد مباشرة.
قلبت الصورة من الخلف.
وكان مكتوب بخط فريدة
لو حصل لي حاجة... أوعوا تصدقوا كل اللي اتقال لكم.
في اللحظة دي مد حسام يده للفلاشة.
لازم نشوف اللي عليها.
رديت بسرعة
عندي لابتوب في البيت.
بعد أقل من ساعة كنا قاعدين في شقتي.
يوسف نايم من التعب على الكنبة.
أما أنا وحسام فكنا قدام شاشة اللابتوب.
وصلنا الفلاشة.
ظهر عليها ملف فيديو واحد فقط.
اسمه
الحقيقة.
ضغطت تشغيل.
ظهرت فريدة على الشاشة.
ملامحها كانت متعبة.
وعينيها مليانة خوف.
واضح إن الفيديو متصور قبل وفاتها بفترة قصيرة.
بصت للكاميرا وسكتت ثواني.
ثم قالت
لو الفيديو ده اشتغل... يبقى معناه إن في حاجة حصلت لي.
أنا فريدة...
والكلام اللي هقوله دلوقتي ممكن يودي ناس كتير السجن.
أنا اتجوزت سليم وأنا بحبه فعلًا...
لكن كان فيه سر كبير مقدرتش

أقوله.
بلعت ريقي وأنا متسمر قدام الشاشة.
فريدة كملت وهي بتبكي
يوسف ابني... وأنا عمري ما كذبت لما قلت كده.
لكن أبوه الحقيقي...
مش حسام.
ولا أي شخص ممكن تتوقعوه.
أنا أخدت السر ده معايا سنين طويلة علشان أحميه.
وفجأة سمعنا صوت طرق عنيف جدًا على باب الشقة.
دق! دق! دق!
لدرجة إن يوسف صحي مفزوع من النوم.
وقف الفيديو تلقائيًا لما اللابتوب وقع من إيد حسام.
رجعت الدقات أقوى.
ثم صوت رجل من خلف الباب
افتح يا أستاذ سليم... إحنا من الشرطة.
بصيت لحسام.
وبص هو ليا.
لأننا الاتنين عرفنا في نفس اللحظة إننا ما بلغناش الشرطة أصلًا...
وإن الشخص الوحيد اللي كان يعرف إننا بنشوف الفيديو دلوقتي...
هو الشخص اللي بيحاول يمنع الحقيقة من الظهور لفّينا بسرعة ناحية باب السطح.
قلبي كان بيدق بعنف لدرجة إني كنت سامعه في وداني.
الباب اتفتح ببطء...
وظهر منه شخص.
لكن الصدمة إنه ماكانش واحد من الرجال اللي تحت.
كانت ست كبيرة في السن، شعرها أبيض بالكامل، وبتتنفس بصعوبة كأنها طلعت السلالم جري.
أول ما شافت يوسف، دموعها نزلت فورًا.
وقالت
الحمد لله... لسه معاكم.
حسام وقف قدام يوسف بحماية.
إنتِ مين؟
الست بصت له ثواني وقالت
أنا الوحيدة اللي فاضلة تعرف الحقيقة كاملة.
وقبل ما حد يسألها، طلعت من شنطتها صورة قديمة جدًا.
ناولتها لي.
الصورة كانت لفريدة وهي صغيرة، يمكن عندها 18 أو 19 سنة.
واقف جنبها راجل أنيق في الأربعينات.
أشرت عليه
مين ده؟
الست أغمضت عينيها وقالت
ده السبب في كل اللي حصل.
اسمه إيه؟
مش مهم تعرفوا اسمه دلوقتي... المهم تعرفوا إنه كان راجل غني جدًا وصاحب نفوذ.
حسام نفد صبره
يوسف ابنه؟
الست سكتت.
ثم قالت
لا.
نظرت ليوسف.
ثم أضافت
لكن يوسف مرتبط بيه أكتر مما تتخيلوا.
في اللحظة دي سمعنا أصوات أقدام طالعة السلم بسرعة.
واضح إن الناس اللي تحت بدأت تطلع للسطح.
الست قربت مني بسرعة وحطت في إيدي ظرف صغير.
المفتاح اللي معاك يفتح خزنة.
خزنة فين؟
في المكان اللي فريدة كانت بتروحه سرًا كل شهر.
أي مكان؟
المكتبة القديمة عند محطة مصر.
بصينا لها باستغراب.
مكتبة؟!
هزت رأسها.
تحت المكتبة فيه مخزن قديم... وفيه الخزنة.
الأصوات كانت بتقرب أكتر.
فقالت بسرعة
لو عرفتوا اللي جوه الخزنة، هتعرفوا ليه فريدة كانت عايشة بخوف كل السنين دي.
وفجأة...
توقف كلامها.
حدقت خلفي مباشرة.
وشها فقد لونه.
استدرت بسرعة.
ولقيت عند باب السطح الدكتور شريف.
واقف بهدوء غريب.
ومعه رجلان.
الدكتور شريف ابتسم وقال
الحقيقة إنكم تعبتوا نفسكم كتير.
شد يوسف نحوي بخوف.
أما الست الكبيرة فكانت ترتجف.
لأنها عرفته فورًا.
الدكتور أخذ خطوة للأمام وقال
كان ممكن كل ده ينتهي من زمان... لو فريدة سمعت الكلام.
ثم نظر إلى يوسف نظرة طويلة.
وأضاف
الولد ده هو آخر قطعة في الموضوع كله.
سكت لحظة.
ثم قال جملة جعلت الجميع يحدق فيه بذهول
لأن يوسف... مش الطفل اللي كنتم فاكرينه أصلًا.
وفي نفس اللحظة، مد يده داخل جيبه وأخرج ورقة قديمة مختومة رسميًا، وقال
وعندي الدليل. لكن قبل ما تشوفوه، لازم تعرفوا
إن فريدة أخفت عنكم الحقيقة لمدة أكتر من عشر سنين...!تجمد الدم في عروقي.
الدقات استمرت بقوة.
افتح يا أستاذ سليم... الشرطة!
حسام قرب من العين السحرية بحذر وبص منها ثواني.
رجع وهو مكشر.
فيه اتنين واقفين فعلًا... لابسين ملابس مدنية.
يعني شرطة؟
معرفش... بس لو شرطة حقيقية كانوا ورّونا كارنيهات من الأول.
الدقات زادت.
افتح الباب فورًا!
في اللحظة دي، سمعنا صوت إشعار خارج من اللابتوب.
بصيت للشاشة.
الفيديو كان لسه مفتوح.
لكن ظهر ملف جديد فجأة.
ملف ماكنش موجود من شوية.
اسمه
افتحني لو وصلوا قبل ما أخلص كلامي.
حسيت بقشعريرة.
ضغطت عليه بسرعة.
ظهر تسجيل صوتي لفريدة.
صوتها كان مرتعش
سليم... لو بتسمع الرسالة دي، يبقى الوقت خلص.
الشخص اللي بدوروا عليه مش بعيد عنك.
هو أقرب مما تتخيل.
وأوعى تثق في أي حد هيقول إنه جاي يساعدك.
حتى لو كان لابس صفة رسمية.
حتى لو كان معاه أوراق.
الدقات على الباب بقت أعنف.
أما أنا فكنت مركز مع كل كلمة.
في درج المكتب القديم اللي في أوضة النوم، فيه مفتاح.
المفتاح ده هيوصلك للحاجة اللي حاولوا يخفوها أكتر من عشر سنين.
لكن خلي بالك...
في حد كان بيراقبني من يوم ما اتجوزتك.
وفي حد عرف إني سجلت الفيديوهات دي.
التسجيل انتهى فجأة.
عم الصمت.
ثواني فقط.
ثم...
رن تليفون حسام.
كلنا انتفضنا.
بص للشاشة.
رقم مجهول.
رد بحذر
ألو؟
جاله صوت راجل كبير في السن
لو عايزوا تعيشوا... اخرجوا من باب السطح حالًا.
وشوفوا مين واقف تحت العمارة.
الخط اتقفل.
أنا وحسام بصينا لبعض.
في اللحظة دي سمعنا صوت معدني عند باب الشقة.
كأن حد بيحاول يفتح القفل من بره.
ما استنيناش.
جرينا ناحية أوضة النوم.
فتحت درج المكتب بسرعة.
وفعلًا...
كان فيه مفتاح صغير مربوط بسلسلة فضية.
خدته وجريت.
طلعنا السلم لحد السطح.
والهواء البارد ضرب وشوشنا أول ما فتحنا الباب.
قربنا من سور السطح وبصينا تحت.
وكانت الصدمة...
عربية إسعاف واقفة.
وعربية شرطة.
وعدد من الناس متجمعين.
لكن اللي جمدنا مكاننا فعلًا...
إن الدكتور شريف نفسه كان واقف تحت.
وبيتكلم مع الرجال اللي عند باب العمارة.
وفجأة رفع رأسه لفوق.
وكأنه كان عارف مكاننا بالضبط.
وبص ناحيتنا مباشرة.
ثم ابتسم.
ابتسامة صغيرة وباردة.
وبعدها رفع إيده ببطء...
وأشار على يوسف.
كأنه بيقول
أنا جاي أخده.
وفي نفس اللحظة، سمعنا صوت باب السطح بيتفتح خلفنا ببطء...!الدكتور شريف رفع الورقة قدامنا، والهواء كان بيقلب أطرافها.
أنا كنت حاسس إن أعصابي خلاص وصلت لآخرها.
صرخت فيه
انطق! إيه الحقيقة؟!
ابتسم ابتسامة باردة وقال
الحقيقة إنكم طول الوقت بتدوروا في الاتجاه الغلط.
ومد الورقة ناحيتي.
خطفتها من إيده بسرعة.
كانت صورة من شهادة ميلاد قديمة.
لكن قبل ما أركز في التفاصيل، الست الكبيرة صرخت فجأة
كداب! أوعى تصدق أي حاجة يقولهالك!
الدكتور شريف بصلها باحتقار.
بعد كل السنين دي لسه بتحاولي تخبي؟
الأصوات اختلطت ببعض.
حسام شد يوسف وراه.
وأما أنا فبدأت أقرأ الورقة.
لكن قبل ما أوصل للسطر المهم...
هبّت نسمة قوية.
الورقة
طارت من إيدي.
وجريت وراها غريزيًا قبل ما تقع من فوق السطح.
لحقتها في آخر لحظة.
لكن وأنا بمسكها...
وقعت عيني على اسم مكتوب أسفلها.
اسم ماكنتش متوقع أشوفه أبدًا.
اسم فريدة.
لكن مش بصفتها أم.
ولا بصفتها زوجة.
كان مكتوب قبل اسمها
الوصية القانونية على الطفل.
تجمدت.
رفعت عيني ناحية يوسف.
ورجعت للورقة.
ثم ليوسف.
ومرة تالتة للورقة.
معنى الكلام ده إن...
فريدة لم تكن مسجلة كأم الطفل في المستند ده.
كانت فقط الوصية عليه.
في اللحظة دي حسام شهق.
لأنه فهم زيي بالضبط.
أما يوسف فكان واقف حائرًا، مش فاهم حاجة من اللي بتتقال.
الدكتور شريف قال بهدوء
أخيرًا بدأتوا تقربوا.
لكن قبل ما يكمل...
جاء صوت صفارات سيارات من الشارع.
كتير.
قوية.
ومتقربة بسرعة.
كلنا بصينا من فوق السطح.
وشفنا عربيات شرطة حقيقية داخلة الشارع.
مش عربية واحدة.
أكتر من عربية.
ولأول مرة من بداية الليلة، لاحظت إن ملامح الدكتور شريف اتغيرت.
الابتسامة اختفت.
والقلق ظهر في عينيه للحظة.
الست الكبيرة همست
وصلوا...
بصيت لها بسرعة.
مين؟
ردت وهي بتتنفس بصعوبة
الناس اللي فريدة كانت مستنياهم من سنين.
وفي اللحظة نفسها، أخرجت من جيبها مفتاحًا ثانيًا يشبه المفتاح اللي معايا تمامًا.
وقالت
الخزنة اللي في المكتبة ما فيهاش الحقيقة كلها.
الحقيقة كلها محتاجة المفتاحين مع بعض.
ثم وضعت المفتاح في يدي.
وأضافت بصوت مرتجف
وفريدة كانت عارفة إن اليوم ده هييجي... علشان كده قسمت السر نصين.
وفجأة دوى صوت طلق ناري من أسفل العمارة.
دوّى في المكان كله.
يوسف صرخ.
وحسام جذبه إليه.
أما الدكتور شريف فالتفت ناحية باب السطح للحظة واحدة فقط...
اللحظة التي استغلها أحد الرجلين الواقفين معه.
إذ نظر إليه وقال
إحنا لازم نمشي حالًا.
هنا أدركت لأول مرة أن الرجلين لم يكونا يحميانه...
بل كانا يراقبانه.
وأن اللعبة أكبر بكثير مما كنا نتخيل.
لكن قبل أن يتحرك أي شخص، سقط من جيب الدكتور شريف شيء صغير على الأرض.
شيء لم يلاحظه أحد غيري.
انحنيت بسرعة والتقطته.
كان مفتاحًا إلكترونيًا صغيرًا.
وعليه ملصق قديم باهت.
مكتوب عليه ثلاثة كلمات فقط
غرفة 317 الأرشيف.
فرفعت رأسي ببطء...
وعرفت أن وجهتنا القادمة لن تكون المكتبة فقط قبضت على المفتاح الإلكتروني بقوة وخبيته في جيبي قبل ما حد يلاحظ.
الدكتور شريف كان مشغول باللي بيحصل تحت العمارة، لكني لمحته فجأة يتحسس جيوبه بسرعة.
واضح إنه اكتشف إن المفتاح اختفى.
عيناه دارتا بيننا كلنا.
لثانية واحدة حسيت إنه هيعرف إني أنا اللي أخدته.
لكن قبل ما يتكلم، اندفع عدد من الرجال إلى السطح.
كانوا بملابس رسمية بالفعل.
أحدهم أشهر بطاقته وقال
محدش يتحرك!
عمّ الارتباك المكان.
الدكتور شريف رجع خطوة للخلف.
والست الكبيرة أطلقت تنهيدة ارتياح لأول مرة.
الرجل اقترب مباشرة من الدكتور شريف وقال
بقالنا سنين بندور وراك.
اتسعت عينا شريف.
إنتوا فاهمين غلط...
الكلام ده هتقوله بعدين.
بدأ الرجال يحيطون به، لكن فجأة...
صوت يوسف قطع كل شيء.
استنوا!
كلنا بصينا له.
كان واقف في مكانه،
ووجهه شاحب.
ثم أخرج من جيبه شيئًا صغيرًا.
سلسلة فضية.
علّاقة قديمة على شكل قلب.
وقال بصوت مرتعش
ماما ادتهالي قبل ما تموت.
أنا وحسام تبادلنا النظرات.
يوسف أكمل
وقالت ما أفتحوش غير لما يبقى كل الناس موجودين.
الست الكبيرة شهقت.
والدكتور شريف شحب وجهه بشكل مخيف.
هنا عرفت إن الحاجة الصغيرة دي أهم مما كنا متخيلين.
فتح يوسف القلادة بصعوبة.
كان بداخلها ورقة مطوية صغيرة
 

تم نسخ الرابط