بنت يتيمه في يوم تخرجها

لمحة نيوز

الفصل الأول فستان أصفر وظلال الغياب
كانت نسمات الصباح في العاصمة الأردنية عمان تحمل برودة خفيفة، لكنها لم تكن كافية لتدفئة قلب الصغيرة ليلى. وقفت الطفلة ذات السنوات التسع أمام بوابة مدرستها الابتدائية، مرتدية فستاناً أصفر باهتاً غسيل الأيام لونه، وشريطاً من الستان الأخضر يربط خصلات شعرها البني بانتظام. كانت عيناها الواسعتان تلاحقان تفاصيل الفرح التي تتدفق من حولها؛ عائلات تدخل بأكاليل الورد، بالونات ملونة تتطاير في الهواء، ضحكات أمهات يعدلن ياقات قمصان أبنائهن، وآباء يحملون كاميرات وهواتف حديثة لتوثيق لحظة التخرج من المرحلة الابتدائية.
كل طفل في ذلك اليوم كان له يد دافئة تمسكه، وجدار صلب يستند إليه. أما ليلى، فكانت تقف وحيدة، كأنها نقطة باهتة في لوحة شديدة الزهو. أمها مريم رحلت عن الدنيا قبل خمس سنوات بعد صراع صامت مع المړض، وجدتها أمينة، المرأة العجوز التي باتت ملاذها الوحيد، أصبحت طريحة الفراش في بيتهما الصغير بجبل اللويبدة، لا تقوى على النزول أو السير مستندة على عكازها. لم يكن لليلى أحد يجلس في الصفوف الأولى ويصفق لها حين يُنادى اسمها بين المتفوقين.
منذ السادسة صباحاً، كانت ليلى تقف أمام مرآة الحمام المکسورة الطرف، تردد جملة واحدة حفظتها عن ظهر قلب، تدربت على نبرة صوتها، وعلى حركة

يديها ممكن تمثل إنك بابا بس النهاردة؟. كانت تظن أن قولها لشخص غريب سيكون سهلاً، لكنها كلما رأت وجوه الآباء الفخورين بأبنائهم، شعرت أن الكلمات تتحول إلى جحر صلد يستقر في حلقها، يمنعها حتى من التنفس بانتظام. تراجعت خطوة إلى الخلف، وضمت كفيها الصغيرتين حول حقيبتها القماشية، كادت تستسلم للدموع وتعود إلى منزلها، لولا أن عينيها التفتتا نحو الجهة الأخرى من الشارع.
الفصل الثاني رجل الأعمال والملامح المتعبة
على الرصيف المقابل، توقفت سيارة سوداء فخمة من طراز رانج روفر، ونزل منها رجل طويل القامة، في أواخر الثلاثينيات من عمره. كان يرتدي بدلة كحلية مصممة بعناية، ساعته الفاخرة تلمع تحت أشعة الشمس، وملامحه الحادة تحمل هدوءاً وقوراً، لكن خلف ذلك الهدوء كان يختبئ تعب قديم، تعب لا يلمحه إلا من ذاق مرارة الوحدة وعاش السنين بين جدران القصور الصامتة. كان اسمه يوسف الخطيب، رجل أعمال أردني معروف، جاء للمدرسة بطلب من الإدارة لحضور تكريم قصير بصفتها شريكة في دعم الأنشطة التعليمية.
لم يكن يوسف يعلم أن خطوته فوق عتبة هذه المدرسة ستعيده عشر سنوات إلى الوراء، ولم يكن يدري أن طفلة بفستان باهت ستغير مسار حياته بالكامل. ترجل من سيارته، وعدل سترته وعيناه تدوران في المكان ببرود اعتاده في اجتماعاته الرسمية. في تلك اللحظة،
كانت ليلى تراقبه بنظرات متوسلة؛ خاڤت من هيبته، خشيت أن يوبخها أو يتجاهلها ويمشي ب خطواته السريعة قبل أن تكمل جملتها. لكن فكرة أن تجلس وحدها على المقعد الخشبي بين مئات العائلات المحتفلة كانت أقسى وأشد رعباً من خۏفها.
عبرت ليلى الشارع بخطوات صغيرة مرتجفة، وقلبها يدق كطبل متسارع. وقفت أمامه مباشرة، فاركاً طرف فستانها الأصفر بأصابع متوترة. انتبه يوسف لوجودها، فتوقف عن السير، ونظر إلى وجهها الصغير المليء بالبراءة والۏجع. رق قلبه فجأة ب شكل لم يعهده من قبل، وانحنى قليلاً ليكون في مستوى طولها، ثم قال بنبرة دافئة غمرت روحها بالأمان أنتِ كويسة يا شطورة؟ محتاجة مساعدة؟.
الفصل الثالث صفقة بطعم الأبوة
كادت ليلى تبكي من دفء صوته الذي لامس حرمان السنين، لكنها تماسكَت، ورفعت عينيها الواسعتين لتنظر في عينيه وقالت بسرعة كأنها تخشى
أن يهرب الوقت عندي طلب غريب جدًا.. أرجوك ما تمشيش قبل ما تسمعني وتوافق. ابتسم يوسف ابتسامات خفيفة مهدئة، وقال بوقار أنا سامعك يا عمري، اتفضلي قولي.
أشارت ليلى بيدها الصغيرة نحو ساحة المدرسة الداخلية وقالت وصوتها يهتز النهاردة حفلة تخرجي من رابعة ابتدائي، وأنا الأولى على الصف. كل الأولاد والبنات جايين بأهاليهم، بس أنا ماما ماټت وبقت في السماء، وتيتا أمينة تعبانة في الفرشة
ومش قادرة تمشي وتيجي معايا. سكتت لحظة، وبلعت ريقها بصعوبة، ثم أضافت بصوت خاڤت كأنه الهمس ينفع تمثل إنك بابا؟ بس النهاردة.. بس لحد ما الحفلة تخلص عشان محدش يشوفني لوحدي؟.
تجمد يوسف الخطيب في مكانه كأن صاعقة أصابت أركانه. ليس بسبب غرابة الطلب، بل بسبب ذلك الۏجع النظيف والعميق في صوت الطفلة؛ الۏجع الذي لا يتسول مالاً ولا طعاماً، بل يطلب لحظة ستر وكبرياء أمام أقرانها. سألها بهدوء وهو يحاول السيطرة على نبرة صوته اسمك إيه يا شطورة؟. ردت ببرراءة اسمي ليلى مراد.
في تلك اللحظة، شحب وجه يوسف تغيرًا طفيفاً، وعبرت عيناه غيمة من الذهول والاضطراب؛ فاسم العائلة مراد لم يكن اسماً عابراً في حياته، بل كان جرحاً قديماً نازفاً طواه الزمن قسراً. لكنه أخفى ارتباكه بسرعة، ومد يده الكبيرة ليمسك بيدها الصغيرة المرتجفة وقال لها بابتسامة حانية من اللحظة دي لحد آخر الحفلة.. أنا بابا يوسف، ومفيش أي قوة في الدنيا هتقدر تخليكي تقعدي لوحدك.
الفصل الرابع تصفيق في الصفوف الأولى
دخل يوسف إلى قاعة الاحتفال الكبرى ممسكاً بيد ليلى، وكان يمشي ببطء متعمداً ليجاري خطواتها الصغيرة، بينما كان يحمل حقيبتها القماشية المتواضعة بيد، وبيده الأخرى يحيط كتفها النحيل كأنه يحميها من نظرات الفضول. الټفت بعض المعلمين والإداريين بذهول
وهم
 

تم نسخ الرابط