ابني رجع بعد ٥سنين غربة
بعد 5 سنين غربة.. ابني رجع ولقاني بمسح البلاط تحت رجلين مراته!
بعد خمس سنين خدمة بره البلد، ابني رجع فجأة ومن غير ميعاد، عشان يلاقيني راكعة على ركبي وبدعك في خشب الأرضية بتاع البيت اللي بنيته بإيدي طوبة طوبة.. مريلتي غرقانة طين، وصوابعي متجرحة وبتترعش، وهي قاعدة "هانم" على كنبة جلد إيطالي بتشرب قهوتها وبتبص لي وكأنها تملك الهوا اللي بتنفسه! ابني صرخ بأعلى صوته: "إنتي بتعملي إيه؟!"
عمري ما تخيلت إن ابني هيرجع بالطريقة دي.. من غير تليفون، من غير تحذير، من غير ما يديني حتى 5 دقائق أداري فيهم الذل اللي بقت فيه حياتي.
لمدة خمس سنين، "دانيال" كان بيخدم في الجيش وراء البحار. في كل عيد، في كل عيد ميلاد، وفي كل يوم حد عادي، كنت بقوله نفس الكلمة: "أنا كويسة يا حبيبي.. متبقاش شايل همي، ركز في شغلك وأرجع لي بالسلامة". كنت بقول كده لأني أمه، والأمهات بيتعلموا إزاي يبلعوا الوجع عشان ولادهم يتنفسوا براحة.
اللي مقولتوش ليه أبداً، إنه بعد وفاة أبوه، أنا اتنازلت
في الأول كانت مؤدبة.. بعدها بدأت تاخد راحتها.. وبعدين قلبت لست قاسية، بس قسوة هادية ومستمرة لدرجة إني كنت بقنع نفسي إني بيتهيألي. أخدت أوضة النوم الرئيسية بحجة إن "إضاءتها أحسن". حولت أوضة الخياطة بتاعتي لمكتب.. كانت بتقول للضيوف إني "قاعدة معاهم"، ومبتقولش الحقيقة.. إن البيت ده أنا اللي بنيته مع جوزي، لوح خشب فوق لوح، سنة ورا سنة، وتضحية ورا تضحية. واحدة واحدة، لقيت نفسي اتركنت في أوضة صغيرة ورا جنب الغسيل، وكأني "ضيفة ثقيلة" بيحاولوا يستحملوها.
وبعدها بدأ "الشغل".. في الأول كان "مساعدة"، بعدها بقى "طلب"، وبعدها بقى "فرض". قالت لي لازم أشارك بما إني "مبدفعش إيجار حقيقي". بقيت أطبخ، أغسل، أكوي، ألمع، وأمسح. ركبي كانت بتوجعني
في اليوم ده، كنت راكعة على الأرض بمسح الخشب اللي أنا اللي نقيته من 22 سنة.. مريلتي القديمة متبهدلة، وصوابعي بتترعش من الروماتيزم والوجع. "فانيسا" كانت مأنتخة على الكنبة الجلد الغالية اللي شارياها بفلوس ابني، بتشرب قهوتها وبتقلب في تليفونها بمنتهى البرود وكأنها ملكة المكان. وفي اللحظة دي بالظبط.. الباب اتفتح!
"دانيال" دخل وشنطته لسه على كتفه.. اتسمر مكانه. بص لي، وبعدين بص لـ "فانيسا"، وبعدين بص لي وأنا على الأرض.
وبعدها ابني صرخ صرخة هزت البيت: "إنتي بتعملي إيه؟!"
السكوت اللي ساد الصالة بعد صرخة "أحمد" كان مرعب، لدرجة إن صوت عقارب الساعة القديمة اللي على الحيطة بقى مسموع وبيضاعف التوتر. "هبة" اتنفضت من على الكنبة والنسكافيه اتدلق على طرف السجادة "الشنواه" الغالية، وشها بقى لونه أصفر زي
أنا كنت لسه راكعة.. حاولت أقوم بسرعة، بس ركبي خانتني، وجع الروماتيزم مع صدمة المفاجأة خلوني أتهز. "أحمد" رمى شنطته في نص الصالة وجري عليا، مسك إيدي اللي كانت مبلولة مية وكلور ومشققة من البرد، ورفعني وهو عينه بتلمع بالدموع والقهر.
"أحمد" بص لي بذهول وهو بيحسس على هدومي المبهدلة: "إيه ده يا أمي؟ إيه اللي وصلك لكده؟ أنا كنت بكلمك كل يوم وبتقوليلي إنك ملكة في بيتك! ليه بتعملي في نفسك كده؟"
قبل ما أنطق، "هبة" استجمعت شجاعتها وحاولت تلطف الجو بضحكة صفراء: "حمد لله على السلامة يا حبيبي! إيه المفاجأة دي؟ والله يا أحمد أنت فاهم غلط، طنط هي اللي بتحب تتسلى، بتقول إنها بتزهق من القعدة وبتحب تهتم بالخشب بتاعها.."
أحمد لف لها، ونظرته كانت كفيلة تخليها تسكت تماماً. صوته كان هادي بس مرعب: "تتسلى؟ تتسلى بمسح الأرض تحت رجليكي وإنتي قاعدة بتشربي قهوة؟ تتسلى وهي لابسة مريلة خدامة في البيت اللي هي اللي بنته بفلوسها وشقاها مع