كنت في المستشفي

لمحة نيوز

كنت مرمية على سرير المستشفى وضلوعي متكسرة، لما جوزي مسك إيدي بعنف وزعق في وشي: "قومي اخلصي.. عشا عيد ميلاد أمي أهم بكتير من الدراما اللي أنتِ عاملاها دي." مكنتش قادرة حتى أصلب طولي.. وفي اللحظة دي الباب اتفتح، والشخص اللي دخل خلاه يتنفض من الرعب.
اليوم اللي عربية خبطتني فيه كان المفروض ينتهي بالدكاترة والمسكنات والهدوء.. بس انتهى وجوزي بيحاول يجرجرني من على سرير المستشفى.
اسمي نيرمين. عندي تلاتين سنة، وقضيت منهم ست سنين بقنع نفسي إن قسوة جوزي دي مجرد "ضغط شغل". رامي كان قدام الناس شهم ولطيف، بس في البيت كان خلقُه ضيق، وولاءه الأول والأخير لشخص واحد بس في حياته: أمه، "الحاجة سناء". لو سناء عايزة عشا، أنا اللي أطبخ. لو سناء عايزة تصيف، أنا اللي أحجز وأرتب وهي اللي تختار الديكور، وأنا أبتسم وأوافق. لو سناء انتقدت الأكل، أو الورد، أو حتى شغلي، رامي كان يقولي "دي عيلة يا نيرمين بلاش تبقي حساسة أوي كده".
الصبح، وأنا راجعة من مأمورية شغل، عربية كسرِت الإشارة وخبطتني خبطة رمتني لآخر الشارع. لسه فاكرة صوت الخبطة، وبعدها طعم الدم في بوقي. لما

فقت في المستشفى، لقيت دراعي الشمال متجبس، وضلعين مكسورين، وركبتي فيها جزع شديد، وجرح في راسي. الدكتور قالي "إنتِ محظوظة.. لو كانت الخبطة جت يمين شوية كان حوضك اتدمر".
كنت لسه دايخة لما رامي وصل بعد تلات ساعات. مكنش باين عليه الخوف، كان باين عليه "الزهق". دخل الأوضة من غير ما يخبط، بص للأجهزة، وبعدين لركبتي المتجبسة، وقال ببرود: "بلاش تمثيل بقى."
افتكرت إني سمعت غلط.
— "عشا عيد ميلاد أمي النهاردة،" نطقها بحدة، "قومي اخلصي.. لازم تطبخي."
فضلت باصة له بذهول.
راح نافخ بضيق: "يا نيرمين، الناس بتتخبط بالعربيات كل يوم.. إنتِ نايمة هنا كأنك بتموتي!"
زوري وقف فيه غصة، بس مكنتش قادرة أنطق. يمكن من الصدمة، أو يمكن لأني كنت متوقعة ده منه. مال عليا ووطى صوته وقال: "أنا مش هدفع دم قلبي في دراما مستشفيات عشان بس تلفتي الانتباه."
وراح شاِد الغطاء من عليا بقوة. وجع رهيب سمع في جنبي لدرجة إني مكنتش قادرة أخد نفسي. راح ماسك إيدي السليمة وضغط عليها جامد.
— "رامي،" نطقت الكلمة بالعافية، "ماتعملش كده."
— "قومي بقولك!"
شدني أكتر. رجلي لمست الأرض لثانية وركبتي
المصابة خانتني وكنت هقع، وبدل ما يلحقني، همس بغل: "شوفتي؟ وبتمثلي إنك بتقعي كمان!"
في اللحظة دي، في حاجة جوايا "اتجمدت". الوجع بيخليك تكذب على نفسك كتير، بس "الإهانة" بتمسح كل الكذب ده وتوريك الحقيقة عريانة.
رامي كان لسه ضاغط على إيدي لما باب الأوضة اتفتح. لف وهو متنرفز، كان فاكر إنها ممرضة هيقدر يخوفها.. بس إيده سابتني في ثانية.
اللي كان واقف على الباب هو الرائد خالد، رئيس مباحث المرور المسؤول عن قضية "الخبط والهروب" بتاعتي.. وجنبه أخويا الكبير، أستاذ حازم، أكبر محامي جنائي في البلد، واللي رامي كان بقاله سنين بيحاول يتمسح فيه وبيموت منه رعب في السر.
رامي وشه بقى أبيض زي الورقة. وحازم لما بص لوشي المتبهدل، وبعدين لبصمات إيد رامي اللي لسه معلمة على إيدي، ملامح وشه اتغيرت بطريقة عمري ما شوفتها قبل كده.
حازم قال بصوت هادي جداً مرعب:
"شيل إيدك القذرة دي عن أختي.. وابعد عن السرير حالا."
تجمد رامي في مكانه، يداه اللتان كانتا تضغطان على جرحي ارتعشتا فجأة وسقطتا بجانبه كأنهما أصيبتا بالشلل. تراجع خطوة للخلف، وعيناه تتنقلان برعب بين وجه حازم
الصارم وبين الرائد خالد الذي كان يقف بهيبته المعهودة، واضعاً يده في جيب بذلته العسكرية وعيناه تلمعان بذكاء حاد.

"حازم.. يا نسيبي.. أنت فهمت غلط، أنا بس كنت بحاول أساعد نيرمين تقوم عشان.." تلعثم رامي، وصوته الذي كان يجلجل بالإهانات قبل ثوانٍ صار الآن رفيعاً ومهزوزاً.

حازم لم يمنحه فرصة لإكمال كذبته. تقدم بخطوات واسعة، وتجاوز رامي كأنه حشرة غير مرئية، وانحنى فوقي برفق شديد لا يتناسب مع جثته الضخمة. مسح على رأسي وقال بصوت مخنوق: "نيرمين.. يا حبيبتي، أنا آسف إني اتأخرت. الممرضة بلغتني باللي حصل في الطرقة قبل ما أدخل."

التفت حازم فجأة نحو رامي، وتحولت نبرته الحانية إلى إعصار: "تساعدها تقوم؟ وضلوعها مكسورة؟ أنت مجنون ولا فاكر إن مفيش راجل وراها؟"

تدخل الرائد خالد بهدوء مرعب، وفتح مفكرته الصغيرة: "أستاذ رامي، أنا كنت جاي أبلغ المدام إننا قبضنا على السواق اللي خبطها، بس الظاهر إني محتاج أفتح محضر جديد هنا في الأوضة.. محضر اعتداء وشروع في قتل بالنظر لحالة المصابة."

رامي بدأ يتصبب عرقاً: "قتل إيه يا سيادة الرائد؟ دي مراتي! وبعدين دي مجرد

خناقة عائلية بسيطة.."

 

تم نسخ الرابط