عملية تجميل محمد نور

لمحة نيوز


بيعلى في الممر الفاضي، لحد ما ممرضة بصت علينا. ووطيت صوتي بالعافية ودموعي على وشك النزول كنت عايزة أحس إني مهمة! زياد بص للأرض بحزن كنت فاكر إن احترامي لقرارك هو أقصى حاجة أقدر أعملها عشانك.
ما تخبيش وراء العذر ده! قبل ما نتطلق قعدت ألف مرة أطلب منك تقعد معايا وتفضالي! عارف. وقلتلك إني وحيدة! عارف. ومع ذلك ما غيرتش ولا حاجة! دي حقيقة.. وده اللي ماكنتش عارف أصلحه.
سكتُّ.. مكنش عندي كلام تاني أقوله. أنا ما طلبتش منك تنسي اللي فات.. كمل بصوت دافئ وواطي.. عندك حق في كل دمعة نزلتِها.. بس ما كنتش هقدر أفرض نفسي عليكي وأنا شايفك پتتعذبي معايا.
طب ليه بتبعد دلوقتي وانت لسه بتحبني؟ سألته بصوت بيترعش. عشان الخۏف الأكبر كان إني أرجع أظلمك معايا تاني.
يوم العملية.. كنت خاېفة جداً، رغم طمأنة الدكتورة لينا ليا. وقبل ما الممرضة تاخدني لغرفة العمليات، لقيت حد بينادي عليا من آخر الممر فريدة.
التفتت.. كان زياد.. بس من غير البلطي الأبيض. لابس قميص كاجوال وبنطلون بسيط.. لأول مرة من سنين ماكنش باين عليه شكل الجراح الكبير.. كان مجرد راجل خاېف. إيه جابك هنا؟ قرب مني ببطء الدكتورة لينا قالت لي إن عمليتك النهاردة.. حبيت أطمنك قبل ما تدخلي. مش محتاجة إحسان من حد.. مش إحسان.. أنا بس عارف إنك مړعوپة من دخول العمليات.
وسكت ثواني.. وطلع من جيبه حاجة صغيرة دباديب قماش صغير قديم أوي.. فتحت عيني پصدمة! ده الدبدوب اللي كان محطوط على سريرنا طول سنين جوازنا.. كنت اشتكي منه وأقوله عليه، ومرة لما سحبو مني ډم كتير ودوخت جابه لي وقالي اضغطي عليه جامد أول ما تخافي.
افتكرت إنه هيهديكي شوية جوة.. قالها وهو بيمده ليا. خدته من إيده وصوابعي بتترعش كنت مفكرك رميته! عمري ما قدرت أرميه.. زي ما عمري ما قدرت أرمي أي حاجة تخصنا.
الدكتورة لينا هي اللي هتعمل العملية وأنا واثق فيها تماماً.. كمل كلامه وهو بيبص في عيني بصدق ولو صحيتِ.. وعايزاني أكون قاعد هنا، هتلاقيني مستنيكي.
حسيت بدموعي بټغرق وشي.. إنت.. إنت فاضي لشغلك ومشاكلك؟ نظّمت جدولي.. اليوم ده كله بتاعي.
الجملة دي دخلت قلبي كأنها بلسم لچروح قديمة.. دي نفس الجملة اللي كنت بتمناها من سنين.. بس جات النهاردة، في الوقت اللي بقينا فيه برا اللعبة أصلاً.
لما فتحت عيني من البنج، أول حاجة حسيتها هي وجد خفيف وتعب في جسمي. بصيت يمين وشمال.. ولاقيته قاعد على الكرسي جنب السرير، وماسك دبدوب القماش في إيده وساكت. أول ما شاف عيني فتحت، قرب بلهفة حمد لله على سلامتك يا فريدة. صوتي كان ناشف وتعبان خلصت؟ أيوة.. كل شىء عدى على خير، والدكتورة مبسوطة بالنتيجة جداً.
ابتسمت بتعب، ورجعت غمضت عيني ونمت تاني.
فترة التعافي ماكنتش سهلة.. كنت محتاجة مساعدة في الحركة، وفي الأكل، وفي تفاصيل صغيرة كتير. وزياد نفذ وعده.. ماحاولش يفرض نفسه كدكتور أو يزعجني، كان بيجي يجهز الفطار، يساعدني أتحرك، ولو حسيت بۏجع يبقى قاعد جنب السرير يطمني.
وفي يوم واحنا قاعدين سوا بهدوء، سألته زياد.. هو إنت فعلاً اتغيرت، ولا ده عشان لسه قلقان عليا؟ بص لي بهدوء وابتسم بحزن بقيت

أعرف أقول لأ للحالات اللي مش طارئة.. بقيت أعرف أوازن بين شغلي وبين حياتي اللي ضاعت مني.. اتعلمت الدرس بطريقة قاسېة يا فريدة، بس اتعلمته بجد.
مديت إيدي ومسكت إيده.. أنا خاېفة أرجع أثق فيك.. وأرجع أتساب تاني. مسك إيدي وباسها براحة خافي براحتك.. وأنا هثبتلك كل يوم، من غير كلام كتير، إنك مش لوحدك تاني أبداً.
بعد ست شهور من اليوم ده.. كنا قاعدين في نفس الكافيه اللي اتقابلنا فيه لأول مرة زمان. زياد طلع علبة صغيرة من جيبه وحطها على الترابيزة. فتحتها باهتمام.. لقيت فيها مفتاح.. وميدالية على شكل بيت صغير من الخشب منور بضوء هادي. إيه ده؟ سألته مستغربة. شقة جديدة.. قريبة من المستشفى ومن بيتك.. فيها أوضتين وشرفة كبيرة تنفع تحطي فيها الورود اللي دايماً بتموتيها.
ضحكت بصوت عالي ورودي مش بټموت! يا بنتي إنتِ قټلتي كابتس قبل كده ببرود! ضحكنا سوا ضحكة صافية مفيهاش أي رواسب قديمة.
بعدين سكت، وبص لي بعيون كلها أمل مش بطلب منك ترجعي تعيشي معايا بكرة.. ولا بطلب إجابة سريعة. بس كنت عايز أعرف.. ينفع نبدأ من جديد؟
نزلت بعيني للسلسلة اللي في رقبتي.. طلعت الدبلة وحطيتها على الترابيزة قدامه. أنا حاولت كثير أقلعها يا زياد.. وماعرفتش. زياد مسك الدبلة ودموع لمعت في عيونه. وأنا كمان.. عمري ما قلعتها.
مش هرجع عشان عصير، ولا عشان شكلنا قدام الناس.. قلت وأنا باصة في عينه بكل ثقة هرجع عشان عرفت إن الحب مش كفاية لوحده.. الحب محتاج ناس تعرف تصلح غلطاتها وتسمع بعض.
مسك إيدي وباسها بحنان أنا مستعد أسمعك.. ومستعد أتعلم العمر كله.
في النهاية، متجوزناش بفرح كبير ولا صخب. عملنا حفلة صغيرة هادية، حضرها أهلينا وصحبتي المقربة سها اللي كانت بتغمزلي بعينها وتضحك طول الفرح. ولما لبسنا الدبل في إيد بعض من تاني، حسيت إن دي مش مجرد رجعة.. دي بداية جديدة تماماً لحكاية فهمنا فيها أخيراً إن السعادة مش في إننا ما نغلطش، بل في إننا نعرف نصلح مع بعض ونفضل قاعدين.. للنهاية.
تمت 
خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد

 

تم نسخ الرابط