كل ما أروح بيت ابني
كنتِ نسيتي إنك حطيتيها هناك.
حطيت إيدي على بقي.
افتكرت اليوم ده.
افتكرت إني لقيت علبة الدهب فعلًا، وإن وقتها قلت لنفسي إني يمكن كنت نقلتها ونسيّت.
لكن بدل ما أرجع لمنى وأعتذر، قلت لنفسي إنها أكيد كانت سرقتها ورجعتها لما خافت.
أنا اللي صنعت الحكاية دي في دماغي، وصدقتها لدرجة إني نسيت إنها مجرد شك.
منى كملت بصوت مكسور
أنا مشيت من بيتك وأنا مكسورة. الناس في الشارع كانوا بيبصوا لي كأني حرامية، وأهلي نفسهم صدقوا إن إيدي اتلوثت. واضطريت أسيب شغلي، وأنقل من المنطقة، وأبدأ من الصفر مع بنتي.
سلمى مسكت إيد أمها وقالت
وأنا كبرت وأنا بشوف أمي بتعيط كل ما تسمع اسمك. كانت بتقول لي إنها مش عايزة تنتقم، لكنها نفسها تسمع منك كلمة واحدة أنا ظلمتك.
أنا بصيت لسلمى، وقلت
طب وإنتِ اتجوزتي ابني ليه؟! كنتِ عارفة من الأول أنا مين؟
سلمى سكتت لحظة، وبعدين قالت
أنا طبعًا عرفتك من أول مقابلة، وشوفتك في الخطوبة والفرح. لكن إنتِ ما عرفتيش أمي لما قابلتيها، لأن ملامحها اتغيرت جدًا من يوم ما سابت بيتك. الصورة القديمة هي اللي رجّعتلك شكلها زمان وربطتِ بين أم سلمى اللي قدامك ومنى اللي ظلمتيها.
كريم بص لها بذهول.
يعني إنتِ كنتِ عارفة كل ده وسكتي؟
قالت
كنت محتارة. أنا ما كنتش عايزة أظلمك بذنب أمك، ولا كنت عايزة أعيش عمري كله وأنا شايلة سر أمي. قلت يمكن لما أدخل بيتكم، ألاقي إن الحكاية مش زي ما أمي فاكرة، ويمكن ألاقي فرصة إن الحقيقة تظهر من غير ما أجرح حد.
وبعدين بصتلي وقالت
لكن من أول يوم، لما شفتك بتتكلمي عن أمي كأنها حرامية، فهمت إنك لسه مصدقة نفس الحكاية. ولما جيت عندكم في زيارة، وسمعتك بتحكي لواحدة من قرايبك إنك طول عمرك ما ظلمتيش حد، قررت إني لازم أواجهك.
أنا قعدت على الكرسي، وكنت حاسة إن كل كلمة بتقولها بتكشف جزء من شخصيتي أنا كنت بداريه حتى عن نفسي.
لكن كان فيه سؤال واحد لسه مش فاهمة إجابته.
قلت لها
طب طبق الفوم ليه؟ ليه كل الإهانة دي؟ ما كنتِ تقدري تتكلمي معايا من غير ما تعملي كده!
سلمى نزلت عينيها، وسكتت فترة طويلة.
وبعدين قالت
عندك حق. وأنا مش هبرر لنفسي. كنت زعلانة، وكنت عايزة أخليكي تحسي ولو جزء صغير من الإحساس اللي أمي عاشته لما اتعاملتي معاها كأنها أقل من باقي الناس. لكن كل مرة كنت بحطلك الطبق، كنت برجع البيت وأنا مش مرتاحة. كنت بسأل نفسي إذا كنت كده بقيت شبه الشخص اللي زعلانة منه.
بصتلي وكملت
أنا غلطت لما استخدمت الطبق عشان أوجعك بدل ما أواجهك بالحقيقة. كان المفروض أتكلم معاكي من الأول، مش أسيبك محتارة ومكسورة الخاطر.
كلامها وجعني، لكنه كان صادق.
لأول مرة من يوم ما دخلت بيتها، حسيت إن فيه حد قدامي مش بيحاول يكسب خناقة، لكنه بيحاول يطلع حقيقة.
كريم كان واقف ساكت، وعينيه بتتنقل بيني وبين سلمى وأمها.
وفجأة قال
يعني أنا اتجوزت واحدة من غير ما أعرف إن أمي كانت سبب في وجع أمها طول السنين دي؟
سلمى ردت
إنت مالكش ذنب يا كريم، وأنا عمري ما حاسبتك على حاجة ما عملتهاش. لكن كان لازم تعرف الحقيقة.
كريم بصلي، وقال بصوت عمري ما سمعته منه قبل كده
ماما، هو الكلام ده حقيقي؟
فتحت بقي عشان أنكر، لكن الكلمات ما خرجتش.
لأني لأول مرة فهمت إن المشكلة مش في إنهم اتهموني، المشكلة إني كنت مستعدة أدافع عن نفسي حتى لو الحقيقة مش في صالحي.
بصيت لمنى وقلت
أنا مش فاكرة كل التفاصيل، لكن فاكرة إني اتهمتك، وفاكرة إني ما رجعتش أعتذرلك لما لقيت علبة الدهب. أنا مش هقدر أقول إني ما ظلمتكيش، لأن ده هيكون ظلم تاني ليكي.
منى بصتلي ودموعها بتنزل.
أنا قربت منها وقلت
سامحيني يا منى. أنا عارفة إن كلمة آسفة مش هترجعلك السنين اللي ضاعت، ولا هتمسح كلام الناس اللي سمعتيه بسببي. بس أنا فعلًا آسفة.
منى ما ردتش بسرعة.
فضلت باصة لي، وبعدين قالت
أنا مش مستنية منك فلوس يا نادية، ولا مستنية ترجعيلي اللي فات. أنا بس كنت عايزة بنتي تعرف إن أمها ما كانتش حرامية.
سلمى انهارت في العياط، وكريم حضنها، وأنا وقفت مش عارفة أعمل إيه.
سلمى كانت بتعيط، وكريم قرب منها يحاول يهديها، وأنا فضلت باصة لمنى ومش عارفة أقول إيه.
كل اللي كنت محتاجة أقوله بقى واضح، لكن وضوح الحقيقة ما كانش معناه إن الوجع اختفى.
منى ما كانتش محتاجة ورق جديد يثبت براءتها قد ما كانت محتاجة تسمع مني اعتراف صريح إني ظلمتها.
قعدنا اليوم ده ساعات نتكلم.
كريم اعتذر لسلمى لأنه ما كانش عارف حاجة، وسلمى اعتذرتلي عن طبق الفوم، وأنا اعتذرت لمنى عن ظلم قديم كنت فاكرة إنه انتهى.
لكن الاعتذارات ما خلتش كل حاجة ترجع زي الأول في يوم وليلة.
منى كانت لسه موجوعة، وسلمى كانت لسه محتاجة وقت عشان تثق فيا، وأنا كنت محتاجة أتعلم إزاي أسمع الحقيقة من غير ما أحاول أدافع عن نفسي طول الوقت.
قبل ما أمشي، دخلت المطبخ، وجبت طبق صيني أبيض، وحطيته قدام منى.
وقلت لها
الطبق ده كان المفروض يتحط قدامك من خمسة وعشرين سنة، مش النهارده بس.
منى بصت للطبق، وبعدين بصتلي.
وقالت
أنا مش زعلانة من طبق يا نادية. أنا زعلانة من اليوم اللي حسيت فيه إن كرامتي ملهاش قيمة