كل ما أروح بيت ابني
السفرة.
وبصيت لها وقلت بهدوء
معلش يا سلمى، ممكن أسألك سؤال؟
قالت
اتفضلي يا ماما.
قولتلها
هو أنا ليه كل مرة باجي عندكم باكل في طبق فوم، وإنتوا كلكم بتاكلوا في أطباق صيني؟ هو أنا عملت حاجة ضايقتك من غير ما أعرف؟
كريم رفع عينه من طبقه، وبص لمراته باستغراب.
أم سلمى سابت المعلقة من إيدها.
وأختها اللي كانت بتضحك من شوية، سكتت فجأة.
أما سلمى، ففضلت باصة لي شوية، وبعدين قالت
لأ يا ماما، إنتِ ما عملتيش حاجة دلوقتي.
الجملة دي وقعت على قلبي زي الحجر.
دلوقتي؟
يعني إيه دلوقتي؟
قبل ما أسألها، كريم قال بعصبية
يعني إيه يا سلمى؟ هو فيه إيه؟ ماما بتسألك سؤال واضح!
سلمى بصتله وقالت
مش كل حاجة ينفع تتقال قدام الناس يا كريم.
وبعدين قامت من مكانها، ودخلت أوضة النوم.
كريم قام وراها، وأمها فضلت باصة في الطبق، وأختها قامت دخلت المطبخ.
وأنا قاعدة لوحدي على السفرة، قدامي طبق الفوم اللي كنت فاكرة إنه مجرد إهانة صغيرة، لكن فجأة حسيت إنه بقى علامة على حاجة أكبر بكتير.
بعد حوالي عشر دقايق، كريم رجع ومعاه سلمى.
وشها كان شاحب، وعينيها حمرا من العياط.
قعدت قدامي، وطلعت من درج السفرة ظرف بني قديم، وحطته بيني وبينها.
وقالت
قبل ما تحكمي عليا، لازم تشوفي اللي جواه.
بصيت للظرف، وبعدين بصيت لكريم.
كان واقف مش فاهم حاجة، وبيقول
هو فيه إيه يا سلمى؟ إنتِ مخبية عني إيه؟
لكنها مردتش عليه.
فتحت الظرف بإيد بتترعش، وطلعت منه صورة قديمة، ورقة مكتوبة بخط إيد، وإيصال أصفر لونه باهت من الزمن.
أول ما عيني وقعت على الصورة، حسيت إن الدم انسحب من وشي.
الصورة كانت ليا.
أنا، من أكتر من خمسة وعشرين سنة، واقفة قدام بيت قديم، وجنبي ست شابة شايلة طفلة صغيرة.
الست دي كانت اسمها منى.
منى اللي كانت بتشتغل عندي زمان.
منى اللي اختفت من حياتي فجأة، ومن يومها وأنا ما سمعتش عنها أي خبر.
رفعت عيني لسلمى، وقلت بصوت متقطع
إنتِ جبتي الصورة دي منين؟
سلمى مسحت دموعها وقالت
دي صورة أمي... وأنا البنت اللي في حضنها.
حسيت إن الكرسي بيتحرك من تحتي.
بصيت لأم سلمى اللي كانت قاعدة على الناحية التانية من السفرة. ملامحها اتغيرت عن زمان؛ سنين الشغل والتعب كبرت وشها، وشعرها اللي كان أسود بقى أغلبه أبيض، عشان كده ما عرفتهاش من أول نظرة. لكنها غطت وشها بإيديها وبدأت تعيط.
كريم بصلي وقال
ماما، إنتِ تعرفي أم سلمى من زمان؟
ما قدرتش أرد.
لأن عقلي رجع بيا لليوم اللي منى اختفت فيه من بيتنا، ولليلة اللي اكتشفت فيها إن علبة دهبي مش موجودة.
يومها كنت متأكدة إن منى هي اللي سرقتها.
اتصلت بيها، ولما مردتش، روحت بيتها، ولقيت البيت فاضي، والجيران قالولي إنها مشيت هي وبنتها.
أنا يومها اعتبرت إن ده اعتراف منها بالذنب.
ومع مرور السنين، نسيت الموضوع، أو يمكن أقنعت نفسي إني نسيته.
لكن سلمى كانت بتبصلي دلوقتي بنفس النظرة اللي كانت بتبصلي بيها من أول زيارة.
نظرة واحدة عارفة حاجة أنا مش عايزاها تظهر.
قولتلها بصوت مخنوق
أمك سرقت دهبي ومشيت. أنا مش هكدب عليكي.
سلمى هزت راسها ببطء، وفتحت الورقة القديمة.
وقالت
أمي ما سرقتش دهبك يا طنط نادية.
وبعدين دفعت الورقة ناحيتي.
دي الورقة اللي إنتِ كتبتيها بإيدك يوم ما اتهمتي أمي بالسرقة.
بصيت للورقة، ولقيت خط إيدي فعلًا.
لكن اللي كان مكتوب فيها خلاني أتجمد مكاني.
كانت ورقة بخط إيدي بتثبت إني استلمت من منى مبلغًا ماليًا، مقابل إنها سابت شغلها عندي، وإنها مش مطالبة بأي مستحقات تانية.
المبلغ كان كبير بالنسبة لوقتها.
لكن أنا عمري ما افتكرت إني دفعتلها فلوس.
صرخت
الورقة دي مزورة!
سلمى ردت بهدوء موجع
كنت عارفة إنك هتقولي كده.
وبعدين طلعت الإيصال الأصفر.
ده إيصال أمانة قديم، عليه توقيعك وتوقيع شاهد. وأمي احتفظت بيه طول السنين دي، لأنها كانت عارفة إن اليوم اللي هتظهر فيه الحقيقة هييجي.
بصيت للإيصال، وحسيت إن ذكرياتي كلها بدأت تتلخبط.
لكن قبل ما أقدر أتكلم، سلمى قالت جملة خلت كريم نفسه يرجع لورا.
يا طنط نادية، أنا ما كنتش بحطلك طبق الفوم عشان أقلل منك... أنا كنت مستنية أشوف هتفتكري أمي لوحدك، ولا هتفضلي مصممة إنك الضحية الوحيدة في الحكاية.
كريم صرخ فيها
إنتِ بتقولي إيه؟! وإيه علاقة طبق الفوم بكل ده؟!
سلمى بصتله، ودموعها نزلت تاني.
علاقتها إنك طول عمرك فاكر إن أمك ست طيبة ومظلومة، وإن أي حد يزعلها يبقى ظالم. وأنا كنت محتاجة أعرف إذا كانت تقدر تعترف بغلط قديم، ولا هتفضل تنكر لآخر لحظة.
أنا قمت من مكاني وقلت
كفاية! أنا مش فاهمة حاجة! عايزة أعرف الحقيقة كاملة!
سلمى سكتت شوية، وبعدين بصت لأمها وقالت
ماما، احكي إنتِ.
منى رفعت وشها من بين إيديها، وبصتلي.
كان في عينيها وجع سنين، وجع أكبر من إني أقدر أستحمله.
وقالت
يا نادية، أنا ما كنتش جاية أطلب منك فلوس، ولا كنت عايزة أرجع أشتغل عندك. أنا كنت جاية من سنين عشان أقولك إن اللي حصل زمان كان ظلم، وإن بنتي كبرت وهي شايلة ذنب حاجة ما عملتهاش.
أنا حسيت إني مش قادرة أتنفس.
منى كملت
يوم ما اتهمتيني بالسرقة، كنت أنا اللي لقيت علبة دهبك في درج التسريحة، وكنت هاجي أقولك. لكن قبل ما أقدر أتكلم، إنتِ دخلتي عليا وفضلتي تصرخي وتتهميني قدام الناس. ولما حاولت أحلفلك إني بريئة، قلتيلي لو ما مشيتش من البيت هتبلغي عني.
أنا؟! أنا عملت كده؟!
قالت
أيوه. وبعدها بأسبوع، لقيت العلبة في شنطة هدومك القديمة، لما كنتِ بتجهزيها عشان توديها لبيت أختك.