سلفتى حامل اماني سيد
بكره تلاقيهم استقروا للأبد، وأنا وإنت أرباب بيتنا بالاسم بس سكت محمد شوية، وكأنه بيدور في كلامي على مبرر يريح ضميره قدام نفسه.
تنفس ببطء وقال بس كلامك عن الطلاق والقانون يا جهاد.. وجعني. إنتِ بجد كنتِ ممكن تعمليها؟مسكت إيده وقلت له بصراحة من غير ما أجمّل الكلام كنت هعملها لو لقيتك بايعني وجاي عليا مع المظلومية المزيفة دي يا محمد. البيت اللي ملوش راجل يحميه ويصون حرمة مراته وعياله، العيشة فيه بتبقى إهانة.
بس إنت أثبتلي النهاردة إنك راجلي وإن بيتي له ظهر.. وأنا معك في أي حاجة بعد كده الهدوء اللي كان في الشقة فوّقنا على صوت الزعيق والدب. دبة اللي جاية من تحت!حماتي كانت بتصرخ بصوت عالي جدًا تحت في الصالة، متعمدة إن صوتها يوصلنا فوق.. كانت بتشتكي لأي حد يكلمها في التليفون تعالوا شوفوا اللي حصل في بيت المالح! مرات الابن تطردنا وتتشرط، والابن واقف زف.
ت مبيفتحش بقه! بقى أنا ابني يترمي تحت ومراته الوالدة تتذل كده؟!أم محمود كانت بتعيط وتندب، ومحمود أخو جوزي نازل طالع على السلم يرزع في الأبواب ويحضر في حاجتهم عشان ينزلها شقة أمه بالكامل. دخلت أوضة العيال، لقيت كراكيبهم وشنطهم كانت لسه ملخبطة مكان ما أم محمود فضت الدولاب. قعدت على الأرض أرجع هدوم ولادي مكانها، وأنا حاسة بانتصار مكتوم بس جواه غليان.
. عارفة إن المهزلة ما انتهتش، وأن دي مجرد بداية ل حرب باردة هتشنها حماتي عليا وعلى جوزي. ومرت ساعتين..الهدوء ساد البيت من تحت، بس هدوء يسبق العاصفة. فجأة، سمعنا خبط قوي ومتواصل على باب شقتنا!مش خبط حماتي ولا خبط محمود.. خبطة حد جاي ناوي على شر أو جاي يعمل قعدة عرب!محمد قام وقف بسرعة، وبصلي ونزل إيده على أكرة الباب وفتحه.
.لقينا واقف على الباب.. أخت أم محمود وجوزها! ومعاهم حماتي واقفة وراهم وبتاكل في نفسها من الغيظ!أخت أم محمود دخلت خطوتين جوه العتبة من غير حتى ما تستأذن، وبصتلي أنا ومحمد بنظرة كلها تكبر وقالت بصوت مليان تحدي إيه المهزلة اللي بتبلغنا بيها أختي دي؟! هو إحنا بنشحت منكم ولا إيه يا أستاذ محمد؟!
وقف محمد في نص الصالة، ورجع ضهره لورا خطوة، بس المرة دي ما أتبكش ولا اتوتر زي المرة الأولى. بص لجوز أختها ولدخلتهم القليلة الذوق، وقال بنبرة ناشفة زي الصخر أولاً يا مدام.. لما تعتبي عتبة بيت ناس، تسلمي وتستأذني الأول قبل ما تفتحي بؤك بحرف. ثانياً.. أختك على عيننا وعلى رأسنا، بس أختك مش نازلة في بيت أباها، دي نازلة في بيت عيلة، وشقتي أنا ومراتي ليها حرمة محدش يتعداها!
حماتي زقت أخت أم محمود وجات وقفت في وش محمد، وبصتلي أنا بغل وقالت وهي بتشاور بإيدها جرى إيه يا محمد؟ بقيت بتعرف تتكلم وتعرف الأصول دالوقتي؟! والأصول دي فين لما تطرد مرات أخوك الوالدة من شقتك وتصغرنا قدام نسايبنا؟!
أنا ما فضلتش واقفة ورا محمد زي الضيفة.. مشيت بثبات ووقفت جنبه كتف بكتف، وبصيت لأخت أم محمود وجوزها وقلت بمنتهى البرود والثبات والله كويس إنك جيتي يا مدام.. وجبتي جوزك معاكي عشان نفهم الأصول صح! حضرتك أختها، وجوزك رفض تستقبلوها عندكم في بيتكم عشان يرتاح.
. وأمك قالت أنا كبرت ومش حمل خدمة.. أهو إنتوا بقى الأقرب ليها دم وحمية، رفضتوا تشيلوا شيلتها، وجايين يحمّلوا القصة كلها عليا أنا؟! عايزيني أسيب شقتي وأخدمها، وتستولوا على بيتي، ولما أقول لأ.. تبقوا إنتوا بتوع الأصول وأنا اللي معنديش أصل؟!
جوز أختها وشه اتغير وجمُد مكانه.. اتلفت لمراته وبصلها بحرج واضح، لأن الكلام نزل عليه كشف المستور قدام الكل!
رد جوز أختها بتلعثم وهو بيحاول يلحق ماء وجهه يا مدام جهاد.. إحنا ما قصدناش حاجة، بس حماتك هي اللي كلمتنا وقالت إن فيه مشكلة كبيرة وإن محمود ومراته متبهدلين في الشارع!
ضحكت ضحكة قصيرة ملانة استخفاف وقلت له الشارع؟! الشارع ده لما يكون بيت أمه اللي تحت مقفول! شقة حماتي تحت أهي، واسعة وموجودة، وأم محمود وجوزها وعيالها ينزلوا يقعدوا مع أمه يخدموها وتخدمهم براحتهم! إنما شقتي أنا وجوزي، شقى عمرنا وفلوسنا، محدش هيحط إيده فيها ولا يقعد فيها يوم واحد بالعافية!
أخت أم محمود اتعصبت وقالت بصوت عالٍ وهي بتشعار لأختها اللي كانت طالعة تبكي على السلم إحنا ما يشرفناش أصلًا نقعد في مكان بن،،ته،دّد فيه! تعالى يا محمود.. لم حاجتك وحاجة مراتك وإحنا هناخدهم معانا أو هنشوفلهم شقة إيجار مفروش!
حماتي شهقت وبصت لأخت أم محمود بصدمة تاخديهم فين يا حبيبتي؟! ده بيتى! الشقة اللي تحت شقتي وشقتهم!
رد محمود أخو جوزي وهو نازل بالشنط، وشكله بقى في الأرض قدام نسايبه خلاص يا أمي.. معلش. إحنا مش هنفرض نفسنا على حد، ولا هنخلي حد يمنّ علينا بشقته ولا يتشرط علينا!
محمد بص لأخوه وقاله بكلمة واحدة خلصت الموضوع يا محمود.. لو عايز تقعد في شقة أمي تحت، البيت بيتك وأمي أولى بيك وبمراتك.. لكن لو عايز تاخد مراتك وتروح إيجار عشان كرامتك تحس إنها صينت، فده قرارك إنت. إنما بيتي أنا وعيالي.. مقفول بعرقنا، وما أسمحش لأي حد يفتح بابه عافية!
جوز أختها أخد محمود على جنب، وبدأوا يلموا الشنط اللي كانت محطوطة على السلم، وأم محمود نازلة تبكي بحرقة وتتحسبن، وحماتي واقفة على السلم عمالة تصرخ وتدعي، وتضرب كف بكف من خيبة أملها إن مخططها كله اتدمر في ساعات!
في خلال نص ساعة.. كان باب الشارع التحتاني اترزع! محمود أخد مراته وشنطه وخرجوا مع جوز أختها عشان يدوروا على شقة إيجار مفروش تقضيهم فترة النفاس والشغل اللي ناوي يبدأه. حماتي نزلت شقتها تحت، ورزعت الباب وراها رزة هزت العمارة كلها، وساد الهدوء هدوء ثقيل ومحمل بخصومة مش هتنتهي بسهولة. قفلت باب شقتي بالمفتاح، ولفت وشي لمحمد.. لقيته واقف بيبصلي، ونظرة عينية اتغيرت تماماً..
ما بقتش نظرة الخوف والتردد، بقت نظرة واحد حس إنه أخيراً أخد موقف راجل وبيحمي بيته. قربت منه، وطبطبت على صدره وقلت له تسلم إيدك يا محمد.. النهاردة بس، أقدر أقول إننا بنينا البيت ده بجد.
تنهد تنهيدة طوويللللة خرجت من جوه قلبه، وقال وهو بيحضن عياله اللي خرجوا من أوضتهم مش فاهمين كل اللي حصل أنا عارف إن أمي مش هتكلمني تاني بسهولة يا جهاد.. وعارف إن اللي جاي تحت هيبقى صعب.
رديت عليه بثبات وأنا حاطة إيدي في إيده الصعب يعدي يا محمد.. المهم إن كرامتنا وبيتنا يفضلوا مرفوعين، وما نكونش حيطة مايلة لأي حد يستغلها!
ومرت الأيام والأسابيع، والحدود اللي اترسمت بالنار وال،،دّم والدموع بقت هي الواقع الجديد اللي فرض نفسه على الكل. حماتي في الأول حاولت تتبع سياسة الخرسانة المسلحة.. لا بيكلمونا ولا بنكلمها، وكنت لما أنزل أنا والعيال للمدرسة الصبح، أسمع الباب بيتقفل ورايا برزعة خفيفة، بس المرة دي ما بقتش رزعة ترهيب..
بقت رزعة استسلام وخيبة أمل من ست كانت متعودة إن كلمتها
سيف على رقاب الكل، وفجأة لقيت السيف اتكسر على صخرة بيتي وثباتي مع جوزي. محمود أخو جوزي أجر شقة مفروشة قريبة مننا، وعلى قد ما كان بيدفع فيها مبلغ وقدره، على قد ما الواقع أجبره إنه يشمر عن ساعده وينزل يدور على شغله بجدية، بدل ما كان ناوي ينتعش وينام على قفانا سنة كاملة بحجة النفاس والظروف!
مراته أم محمود ولدت بالسلامة، وما حدش فينا قصر؛ محمد نزل باركلهم في الشقة الجديدة وجابلهم نقطة محترمة تليق بالأصول، بس دخل وخرج في ساعة زمن.. زي الضيف العزيز اللي عارف حدوده كويس، ومحدش قدر يفتح بقه معاه بكلمة عتاب واحدة لأن الهيبة خلاص كانت اتفرضت. ومع الوقت، وبمرور كام شهر، جبل التلج اللي بيننا وبين حماتي بدأ يدوب تدريجيًا.
العزلة والوحدة في شقتها التحتانية خلوها تحس إن خسارة ابنها وأحفاده الأربعة مش تمن سهل تدفعه عشان خاطر تكابر. بقت هي اللي تفتح الباب لما تسمع صوت العيال نازلين من على السلم، وتناديلهم بمنتهى الهدوء تعال يا هاني.
. تعالي يا روكا، خدوا المصروف واطلعوا لأمكم العيال كانوا بينزلوا يبوسوا إيدها، وأنا كنت أعدي ألمحها من الباب المفتوح، أرمي السلام بوقار وأدب صباح الخير يا ماما.. محتاجة أي حاجة وأنا نازلة السوق؟
كانت ترد بنبرة هادية، فيها بقايا كبرياء مكسور بس مفيهاش أي هجوم يسلمك يا بنتي.. تسلمي.
الكلمة دي.. يا بنتي.. رغم إنها طالعة بالعافية، كانت أبلغ دليل إن المعركة انتهت، وإن شقتي اللي طفحنا ال،،دّم فيها عشان نأسسها رجعت مملكتي المرفوعة الراية، وإن خدمتي وبيتي وتدبيري مش مستباحين لأي حد تحت مسمى بيت العيلة.
أما محمد.. فاللي حصل ده غيره تمامًا. بقى باصص لبيته ولعياله بنظرة راجل عارف قيمة السقف اللي حاميه، وعارف إن التنازلات الصغيرة هي اللي بتجيب العواصف الكبيرة. وبقى كل ما يقعد في صالة شقتنا بالليل، يشرب شاي معايا ويطل على العيال وهم بيلعبوا في أوضتهم براحتهم وفي مكانهم المخصص، يبتسم ويقولي تعرفي يا جهاد.. لو كنا تنازلنا اليوم ده، ما كانش هيبقى لنا كيان ولا قيمة في البيت ده أبداً.
كنت ابتسم له بثقة وأقوله البيت اللي بيتبنى بالتعب والعرق يا محمد.. لازم يتقفل بأقفال الصلابة والكرامة، والحمد لله إننا قفلناه قبل ما يتهد على دماغنا!
وتقفلت الصفحة دي للأبد.. مقفولة على بيت مستقر، وزوج صلب، وأم عرفت إن بيتي خط أحمر لا يمكن اختراقه!
تمت