ابني مات وهو عنده عشرين سنه
عاش وهو راضي عني.
لحد ما وصلت لآخر عشر صفحات.
الكتابة اختلفت.
بقت أسرع، وكأنها مكتوبة على استعجال.
وكان أول سطر فيها
النهارده قابلت الأستاذ محمود للمرة التانية.
كملت القراءة.
سلمني الأمانة، وحكالي حكاية طويلة عن العيلة، وطلب مني أوصلها لأمي. وافقته، لكن طلبت منه حاجة.
استغربت.
إيه اللي طلبه؟
قلبت الصفحة.
قلت له... لو حصلي أي حاجة قبل ما أوصلها، أوعدني إنك متسيبش أمي لوحدها، وإنك توصلها كل حاجة بنفسك.
بصيت للخاتم الفضي.
افتكرت الراجل العجوز.
إذن هو كان بينفذ الوعد...
حتى آخر يوم في عمره.
وقبل آخر صفحة، لقيت جيبًا صغيرًا معمول في المفكرة.
دخلت إيدي فيه.
طلعت بطاقة ذاكرة إلكترونية صغيرة جدًا.
نظرنا لبعض باستغراب.
جوز نهى قال
دي كارت ميموري.
كان جنبه ورقة صغيرة مكتوب فيها
فيها حاجة مهمة... لكن متتشافش إلا في المكان اللي اتصورت فيه.
سألت نهى
هو يقصد إيه؟
هزت رأسها.
لكن آدم، اللي كان ساكت طول الوقت، رفع رأسه فجأة وقال
البحر.
بصيناله كلنا.
قلت
ليه البحر؟
قال بثقة غريبة
هو كان ماسك الكاميرا هناك... وأنا شايف الصخور الكبيرة.
اتسعت عيني.
لأن آخر رحلة خرجها ابني قبل الحادث...
كانت فعلًا إلى البحر.
ولم يكن يعرف ذلك... إلا أنا فضلت أبص لآدم ثواني من غير ما أتكلم.
قلت بهدوء
يا آدم... مين قالك إنه كان عند البحر؟
هز كتفيه وقال ببراءة
محدش... بس أول ما شوفت الكارت حسيت بكده.
نهى احتضنته وقالت
يمكن افتكر صورة شافها في البيت.
لكنها كانت عارفة زيي إن آدم عمره ما شاف صور رحلة البحر.
كل الصور كانت معايا... أو هكذا كنت أعتقد.
تاني يوم الصبح، أخدت كارت الذاكرة، وروحنا كلنا للشاطئ اللي كان ابني راحه آخر مرة.
المكان اتغير شوية عن زمان، لكن الصخور الكبيرة كانت لسه زي ما هي.
وقفت أبص للبحر.
نفس الموج...
نفس الهوا...
كأن خمس سنين معدوش.
طلعت الكارت من جيبي.
كان معانا لابتوب صغير، لكن افتكرت الجملة اللي كتبها ابني
متتشافش إلا في المكان اللي اتصورت فيه.
فقلت
هنشغله هنا.
ركبنا الكارت.
أول ما اتفتح، ظهر ملف فيديو واحد.
اسمه
لأمي.
دموعي نزلت قبل حتى ما أشغله.
ضغطت تشغيل.
ظهر ابني على الشاشة، واقف قدام البحر، والهوا بيحرك شعره.
ابتسم للكاميرا وقال
لو الفيديو ده اشتغل... يبقى الأستاذ محمود وفّى بوعده.
سكت ثانية، ثم ضحك ضحكته اللي وحشتني.
أمي... أول حاجة، متزعليش. أنا عارف إنك هتعيطي، بس كملي للآخر.
فضلت أسمع وأنا مش قادرة أرفع عيني من الشاشة.
قال
أنا صورت الفيديو ده عشان الأمانة، بس كمان عشان أقولك حاجة كنت دايمًا بكسف أقولها وش.
ابتسم وقال
أنا فخور إني ابنك.
انهرت في البكاء.
نهى كانت بتمسح دموعها هي كمان.
ثم أكمل
لو وصلتي لحد هنا، يبقى أكيد فتحتي الصندوق. الأوراق اللي جواه مهمة للعيلة، لكن في حاجة أهم.
مد إيده ناحية الكاميرا، وطلع صورة صغيرة.
كانت صورة جماعية للعيلة كلها في عيد قديم.
وأشار إلى طفل صغير واقف في آخر الصف.
وقال
الولد ده... هو مفتاح حكاية كاملة. محدش بيسأل عنه، مع إنه كان سبب إن العيلة تفضل
قرب الصورة من الكاميرا، لكن الرياح قلبتها بسرعة، وما ظهرش وش الطفل بوضوح.
قال
اسألي الأستاذ محمود عنه... هو الوحيد اللي يعرف.
انتهى الفيديو.
ساد الصمت.
بصيت لنهى.
هي بصتلي بحزن، وقالت
بس الأستاذ محمود... توفى.
وفي اللحظة دي، افتكر جوز نهى حاجة.
قال بسرعة
استنوا... زوجة الأستاذ محمود قالتلي وهي بتدينا الدفتر إن فيه صندوق صغير في مكتبه، وقالت إنها مفتحتوش لأنه كان كاتب عليه لا يُفتح إلا بعد مشاهدة الفيديو.
نظرنا إلى بعضنا في ذهول.
إذن...
الأستاذ محمود كان يعرف أن هذه اللحظة ستأتي، ورتب كل شيء قبل وفاته رجعنا من البحر وإحنا ولا واحد فينا نطق بكلمة.
كل واحد كان غرقان في أفكاره.
وصلنا بيت الأستاذ محمود قبل المغرب، واستقبلتنا زوجته أول ما شافتنا.
بصت في وشوشنا وقالت بهدوء
يبقى شفتوا الفيديو.
استغربت وقلت
حضرتك عرفتي منين؟
ابتسمت ابتسامة حزينة وقالت
لأنه كان قايللي... هييجوا تاني، ولما يرجعوا افتحي لهم المكتب.
دخلتنا أوضة صغيرة في آخر البيت.
كانت مليانة كتب وملفات، وكل حاجة فيها مترتبة بدقة.
أشارت إلى درج خشبي وقالت
الصندوق هناك.
فتحنا الدرج.
كان فيه صندوق صغير من خشب الجوز، وعليه ورقة مكتوب فيها
بعد مشاهدة الفيديو فقط.
المفتاح الذهبي دخل فيه بسهولة.
ولما فتحناه...
لقينا ملف واحد، ومعاه كاسيت تسجيل قديم.
وتحته جهاز تشغيل صغير للشريط.
قالت زوجة الأستاذ محمود
كان محتفظ بيه مخصوص.
ركبنا الشريط.
وبعد ثوانٍ، اشتغل صوت الأستاذ محمود.
كان صوته هاديًا ومتعبًا.
قال
لو بتسمعوا التسجيل ده، يبقى أنا خلاص سبت الدنيا.
سكت لحظة، ثم أكمل
أنا كنت مجرد أمين للأمانة... لكن الحقيقة الكاملة مكتبتهاش في الورق، لأن فيها مشاعر أكتر من إنها تتحط في ملفات.
أخذ نفسًا عميقًا.
من أكتر من خمسة وعشرين سنة، اتفرقت العيلة بسبب سوء تفاهم كبير. كل واحد افتكر إن التاني ظلمه، والكل بعد عن الكل.
ثم قال
لكن أكتر واحد تعب عشان يجمعكم من جديد... كان ابنها.
ضممت المفكرة إلى صدري.
أكمل التسجيل
لما عرف القصة، كان كل ما يقابلني يقولي مش عايز العيلة تفضل متفرقة. نفسي أمي تشوف الكل مجتمع قبل ما تكبر.
دموعي نزلت من جديد.
ثم قال
وعشان كده، بدأ يجمع الصور القديمة، والعقود، والرسائل، ويرتبها بنفسه.
نهى همست
عشان كده كانت الصور بتختفي...
أومأت وأنا أبكي.
لكن الأستاذ محمود قال بعدها جملة خلتنا كلنا نسكت.
في الملف هتلاقوا رسالة واحدة مقفولة.
فتحنا الملف بسرعة.
وفعلًا...
كان فيه ظرف أبيض، مكتوب عليه
يُفتح بعد اكتمال جمع أفراد العائلة.
بصينا لبعض.
العيلة لسه مش كلها موجودة.
لسه فيه أفراد منعرفش مكانهم، وفيه ناس منقطعة أخبارهم من سنين.
فهمت ساعتها إن رحلة ابني ما كانتش مجرد توصيل أمانة...
كانت بداية طريق طويل، هو كان
نفسه يكمله، لكن القدر ما ادّالوش الفرصة.
أما إحنا...
فبقينا قدام وعد جديد لازم نكمله بدلًا منه عدى أسبوع كامل.
خلاله بدأنا ندور على كل فرد من العيلة انقطعت أخباره.
واحد كان مسافر من سنين.
وواحدة كانت عايشة
وحد تالت كان قاطع علاقته بالجميع بسبب خلاف على ميراث قديم، واتضح بعد مراجعة الأوراق إن الخلاف كله كان مبني على ورقة ناقصة وسوء فهم.
بفضل العقود والرسائل اللي كانت في الصندوق، بدأت الصورة تتضح.
ولأول مرة من عشرات السنين...
بدأت المكالمات ترجع بين أفراد العيلة.
وبدأت البيوت اللي كانت مقفولة تفتح أبوابها من جديد.
وفي يوم الجمعة، اتجمعنا كلنا في البيت القديم.
كان عددنا كبير.
أطفال بيلعبوا في الجنينة.
وكبار قاعدين يحكوا ذكريات زمان.
وقفت أبص للمشهد، وافتكرت كلام ابني في الفيديو
نفسي أمي تشوف الكل مجتمع.
ابتسمت وسط دموعي.
يمكن هو مش موجود بجسمه...
لكن أثره جمع ناس كانوا فاكرين إنهم عمرهم ما هيرجعوا لبعض.
نهى قربت مني وهي ماسكة الظرف الأخير.
وقالت
أعتقد... جه وقته.
بصيت حواليّ.
كل الأسماء اللي كانت في شجرة العيلة بقوا موجودين.
هزيت رأسي.
فتحت الظرف ببطء.
كان جواه خطاب واحد.
بدأت أقرأ بصوت مسموع
إذا كنتم تقرأون هذه الرسالة، فاعرفوا أن الأمانة وصلت، وأن الخصام انتهى، وأن البيت رجع مليان بأصحابه.
ثم توقفت لحظة.
لأن آخر سطر كان مختلفًا عن باقي الخط.
واضح إنه مكتوب بخط ابني.
يا أمي... لو حققتي الأمنية دي، يبقى أنا مطمن.
ماقدرتش أكمل.
الدموع غلبتني.
لكن في نفس اللحظة...
شد آدم طرف هدومي.
بصيت له.
ناولني ورقة صغيرة مطوية.
استغربت.
قلت
دي إيه؟
قال
لقيتها تحت سجادة الأوضة اللي فيها الباب الحديد.
فتحت الورقة.
كانت قديمة جدًا، وحوافها متآكلة.
لكن اللي شد انتباهي إن الخط مش خط الأستاذ محمود...
ولا خط ابني.
وفي أولها مكتوب
إلى من سيكمل الطريق بعدنا...
نظرت إلى نهى.
ثم إلى الورقة مرة أخرى.
كان واضحًا أن حكاية الأمانة التي ظننا أنها انتهت...
كانت تخفي فصلًا جديدًا لم نعرف عنه شيئًا بعد فتحت الورقة بحذر، لأن أطرافها كانت هشة جدًا.
بدأت أقرأ بصوت منخفض
إلى من سيكمل الطريق بعدنا... إذا وصلت هذه الرسالة إليك، فاعلم أن ما فعلناه لم يكن من أجل الأوراق ولا البيوت، بل من أجل ألا تضيع الذكريات.
ساد الصمت في الغرفة.
كملت القراءة
كل صورة في هذا البيت لها حكاية، وكل رسالة كُتبت كانت محاولة للإصلاح، لكن هناك شيء واحد لم نعثر عليه أبدًا...
قطبت جبيني.
إيه هو؟
قلبت الصفحة.
كان فيها رسم بسيط لشجرة العيلة، لكن في أحد الفروع كان فيه اسم ممسوح بعناية، كأن حد تعمد يخفيه.
نهى قربت مني وقالت
أنا أول مرة أشوف الاسم ده.
جوزها قال
واضح إنه اتشال من زمان.
وفي أسفل الصفحة، كانت جملة قصيرة
ابحثوا عن الألبوم الأزرق... ففيه الصورة التي لم تكتمل.
بصيت حواليا.
كل الألبومات اللي لقيناها كانت بنية أو خضراء.
مفيش أي ألبوم أزرق.
وفجأة، آدم جري ناحية المكتبة القديمة.
وقف قدام الرف الأخير، ومد إيده فوق الدولاب، ونزل ألبوم مغطى بطبقة تراب سميكة.
ولما مسحنا التراب...
ظهر لونه.
كان أزرق.
اتبادلنا النظرات.
فتحته ببطء.
فيه صور كتير للعيلة في مناسبات مختلفة.
لكن آخر صفحة كانت غريبة.
كان فيها مكان صورة.
مكانها ورقة صغيرة مكتوب عليها
الصورة مع صاحبتها... وستعود يوم تعود الابتسامة إلى هذا البيت.
وقبل ما نستوعب معنى الكلام...
سمعنا طرقًا خفيفًا على باب البيت القديم.
خرج جوز نهى يفتح.
وبعد لحظات رجع، ومعاه سيدة كبيرة في السن، شعرها أبيض، وفي إيدها إطار صورة ملفوف بقماش أبيض.
أول ما دخلت، بصت على الألبوم الأزرق، وابتسمت وقالت
واضح إنكم وصلتوا للمرحلة الأخيرة... وأنا جيت أوفي بوعد قطعته من ثلاثين سنة.
ثم وضعت إطار الصورة على الطاولة...
وقالت بهدوء
دي الصورة الناقصة... واللي بسببها بدأت الحكاية كلها وضعت السيدة إطار الصورة على الطاولة بكل هدوء.
كلنا اتجمعنا حواليها.
كانت إيدي بتترعش وأنا بفك القماش الأبيض.
ولما ظهر الإطار...
لقينا صورة قديمة بالأبيض والأسود.
فيها أفراد العيلة كلهم واقفين قدام البيت القديم.
لكن الغريب...
إن في طرف الصورة مكان كان واضح إنه اتقص واتلزق فيه جزء تاني باحتراف.
السيدة ابتسمت وقالت
دي مش الصورة الأصلية.
سألتها باستغراب
يعني إيه؟
قالت
زمان، لما حصل الخلاف بين الإخوات، واحد منهم قص جزء من الصورة، لأنه كان رافض حتى يشوف أخوه فيها. ومن يومها كل واحد احتفظ بنسخة ناقصة.
نهى همست
عشان كده الألبوم كان ناقص.
أومأت السيدة برأسها.
ثم فتحت حقيبتها، وأخرجت ظرفًا صغيرًا.
ومن داخله أخرجت...
الجزء المفقود من الصورة.
كان محفوظًا بعناية طوال السنين.
ناولته لي.
وقالت
ركبيه مكانه.
مسكت القطعة بحذر.
ولما حطيتها فوق الصورة...
اكتملت لأول مرة بعد أكثر من ثلاثين سنة.
كل أفراد العيلة بقوا ظاهرين.
ووسطهم...
وقف طفل صغير مبتسم.
سألت السيدة
مين الطفل ده؟
ابتسمت وهي تنظر للصورة طويلًا.
وقالت
ده جدكم وهو صغير... وكان دايمًا يقول إن العيلة مهما اتفرقت، هييجي يوم وترجع تضحك قدام الصورة دي من تاني.
ساد الصمت.
كان واضح إن كل رحلة الأمانة دي بدأت من وعد بسيط... وانتهت بلمّة عيلة.
في اللحظة دي، بصيت لآدم.
لقيته مبتسم للصورة.
وسألني
الأبلة... هو كده بقى كل الناس رجعت؟
ابتسمت لأول مرة من قلبي من يوم وفاة ابني.
وربتّ على رأسه وقلت
لسه يا آدم... بس إحنا أخيرًا عرفنا الطريق.
وانتهى اليوم على صوت ضحكات الأطفال في جنينة البيت القديم...
بينما كانت صورة العيلة المكتملة معلقة في منتصف الصالة، بعد غياب جزء منها لسنوات طويلة، لتبقى شاهدًا على أن الذكريات الصادقة، والمحبة، قادرة على جمع ما فرقته الأيام في صباح اليوم التالي، رجعت البيت وأنا حاسة لأول مرة من سنين إن في هدوء جوايا.
وقفت قدام صورة ابني المعلقة في الصالة.
ابتسمت وقلت بصوت واطي
نفذت وصيتك... والعيلة رجعت لبعض.
ولأول مرة من خمس سنين...
حسيت إني قادرة أدعيله من غير ما أنهار.
بعد كام يوم، وأنا برتب الأوراق اللي رجعناها من البيت القديم، لفت نظري ملف صغير ماكنتش فتحته.
كان مكتوب عليه
خاص بالحضانة.
استغربت.
إيه علاقة الحضانة بالأمانة؟
فتحته.
لقيت جواه إيصال تبرع قديم، وعقد تأسيس فصل للأطفال الأيتام، وتحتهم جواب بخط
كان حلم ابنك بعد التخرج يفتح فصل مجاني للأطفال اللي فقدوا أحد والديهم، وقال لي الطفل اللي يفقد أهله محتاج حضن قبل أي حاجة.
قفلت عيني.
افتكرت مرة وهو عنده سبعتاشر سنة، رجع من زيارة دار أيتام وقاللي
نفسي لما أكبر أعمل حاجة للأطفال دول.
كنت فاكرة إنه مجرد كلام شاب صغير...
لكن واضح إنه