ابني مات وهو عنده عشرين سنه

لمحة نيوز


قديم لخالك الله يرحمه. ولما عرف إن ابنك قريبنا، طلب منه يوصل أمانة.
إيه هي الأمانة؟
نهى سكتت لحظة، ثم قالت
مفتاح.
استغربت.
مفتاح إيه؟
طلعت من شنطتها صورة قديمة، كانت أطرافها مصفرة من الزمن.
في الصورة ظهر صندوق خشبي صغير، عليه قفل نحاسي قديم.
وقالت
الراجل قال إن الصندوق ده متخزن من أكتر من خمسة وعشرين سنة، وفيه أوراق تخص العيلة كلها... وأوصى إنه ما يتفتحش غير لما المفتاح يوصل لصاحبته.
بصيت للصورة، ثم للرسالة.
وصاحبته مين؟
رفعت نهى عينيها ناحيتي وقالت بهدوء
إنتِ.
شهقت.
أنا؟!
هزت رأسها.
ابنك كان راجع يقابلك يوم الحادث... وكان ناوي يسلمك المفتاح بنفسه، ويشرحلك كل حاجة. لكنه ما لحقش.
سكتت الدنيا حواليا.
كل السنين دي... كنت فاكرة إن ابني خرج يومها عادي.
لكن الحقيقة إنه كان راجع وهو شايل أمانة ليا.
بسرعة فتحت الرسالة مرة تانية، وقلبت الورقة من الخلف.
ولأول مرة لاحظت إن فيه سطر صغير جدًا مكتوب بالقلم الرصاص، كأنه اتكتب في آخر لحظة.
اقتربت من الضوء عشان أقرأه.
وكان مكتوب
يا أمي... لو المفتاح ضاع، دوري في المكان اللي فيه الشجرة الكبيرة... هتفهمي كل حاجة.
رفعت رأسي ببطء.
وبصيت للشجرة الضخمة الواقفة في آخر المقابر...
نفس الشجرة...
اللي آدم كان بيرسمها كل مرة بصيت للشجرة، وحسيت بقشعريرة سرت في جسمي.
كانت واقفة في آخر صف المقابر، كبيرة وقديمة، وفروعها مغطية جزء من المكان.
همست من غير ما أحس
هي دي...
آدم ساب إيد أبوه، ومشى ناحيتها بخطوات هادئة.
ناديت عليه
استنى يا آدم.
وقف، وبصلي، وقال
هو كان واقف هنا.
قلبي دق بعنف.
مين؟
قال ببساطة
الولد اللي بيبتسم.
نهى بصتلي باستغراب، أما جوزها فقال
يمكن بيتخيل... الأطفال ساعات خيالهم واسع.
هزيت رأسي، لكني كنت عارفة إن لازم أشوف المكان.
قربنا كلنا من الشجرة.
كان التراب حوالين جذعها ناشف، لكن في ناحية صغيرة كأنها اتقلبت من وقت قريب.
ركعت على الأرض، وبدأت أزيح التراب بإيدي.
نهى نزلت تساعدني، وجوزها جاب قطعة خشب صغيرة من جنب السور وبدأ يحفر بحذر.
بعد دقائق...
سمعنا صوت خفيف.
تك.
وقفنا كلنا.
كان فيه جسم معدني تحت التراب.
طلعناه بهدوء.
علبة حديد صغيرة، غطاها عليه صدأ، لكنها كانت مقفولة بإحكام.
بصيت لنهى.
قالت وهي متوترة
دي مشفتهاش قبل كده.
حاول جوزها يفتحها، لكنها كانت مقفولة.
قلت وأنا بافتكر كلام الرسالة
المفتاح...
لكن المفتاح فين؟
في اللحظة دي، آدم قرب من العلبة، ولمسها بإصبعه الصغير.
وبعدين بص ناحيتي وقال
المفتاح مش هنا.
استغربت.
أمال فين؟
رفع عينه للسماء لحظة، كأنه بيفكر، ثم قال
في البيت... جوه الحاجة الخشبية اللي فيها الصور.
شهقت.
في البيت عندي فيه صندوق خشبي قديم، بحط فيه صور ابني وكل متعلقاته.
الصندوق ده مفتحتوش من يوم وفاته.
كنت كل ما أبصله، أقفله تاني من غير ما ألمسه.
نهى قالت بسرعة
يلا... لازم نروح.
أخدنا العلبة معانا، ورجعنا بيتي.
دخلت أوضتي، ووقفت قدام الصندوق الخشبي.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحه لأول مرة من خمس سنين.
كانت الصور زي ما هي...
وساعته...


وكشكول قديم...
وتحتهم، في ركن صغير جدًا، لقيت ظرفًا لم أره من قبل.
كان مربوطًا بخيط أزرق.
ولما فتحته...
وقع منه مفتاح نحاسي قديم.
لكن مع المفتاح كانت فيه ورقة صغيرة مكتوب عليها بخط ابني
لو لقيتي المفتاح... متفتحيش الصندوق لوحدك. لازم يكون الراجل العجوز موجود... لأنه الوحيد اللي يعرف السر الكامل.
ساد الصمت في الغرفة.
ونظرت إلى الرجل الذي سلمني الرسالة في الصباح...
لكن مكانه كان خاليًا.
لأننا لم نأخذ منه أي رقم هاتف...
ولا حتى سألناه عن اسمه اتبادلنا النظرات في صمت.
أول واحد اتكلم كان جوز نهى
إحنا حتى ما سألناهوش اسمه... ولا قال ساكن فين.
حاولت أفتكر ملامحه بالتفصيل.
كان راجل كبير، شعره أبيض، وماسك عصاية خشب، وفي إيده خاتم فضة عليه حرف واحد محفور.
لكن وقتها كنت مصدومة بالرسالة، ومركزتش في أي حاجة تانية.
نهى فجأة قالت
استني...
جريت على الشنطة بتاعتها، وطلعت منها كارت صغير.
لما سلّمنا الرسالة، وقع منه ده من غير ما يحس.
أخدت الكارت بسرعة.
كان قديم، ولونه باهت.
مكتوب عليه
محمود عبدالعزيز أمين أرشيف متقاعد.
وتحته عنوان قديم في حي من أحياء المدينة.
قلت فورًا
لازم نروحله.
...
تاني صباح، وصلنا للعنوان.
البيت كان قديم جدًا، وبابه الخشبي مقفول.
خبطنا أكتر من مرة.
وبعد شوية، فتحت لنا سيدة كبيرة في السن.
سألتها
لو سمحتي... الأستاذ محمود موجود؟
بصتلنا باستغراب، وقالت
حضراتكم تقربوله إيه؟
قلت
إحنا بندور عليه في موضوع مهم.
نزلت رأسها بحزن وقالت
للأسف... الأستاذ محمود توفى من أسبوع.
حسيت إن الأرض بتميد بيا.
توفى؟!
هزت رأسها.
أيوه... لكن قبل وفاته كان كل يوم يقول إنه مستني يسلم أمانة لصاحبتها، وكان رافض يرتاح قبل ما يعمل كده.
بصيت لنهى.
يبقى الراجل نفذ وعده فعلًا.
السيدة كملت
استنوا.
دخلت، ورجعت بعد دقيقة وهي شايلة دفتر جلدي قديم.
وقالت
وصاني... لو حد جه ومعاه مفتاح نحاس قديم، أسلمه الدفتر ده.
فتحت الدفتر بحذر.
في أول صفحة كانت فيه جملة مكتوبة بخط محمود
لو وصلتوا لهنا... يبقى الأمانة بدأت ترجع لأصحابها.
وقلبت الصفحة.
لقيت خريطة مرسومة بالقلم.
مش خريطة لمدينة...
لكن خريطة لبيت قديم.
وفي آخر الخريطة علامة حمراء.
وتحتها مكتوب
الصندوق الحقيقي ليس الذي وجدتموه تحت الشجرة... بل ما بداخله هو مفتاح الطريق فقط.
رفعت رأسي ببطء.
ونهى همست وهي تنظر إلى الخريطة
أنا أعرف البيت ده...
سألتها بسرعة
فين؟
قالت وهي ما زالت تحدق في الرسم
ده بيت جدنا القديم... اللي اتقفل من أكتر من عشرين سنة، ومحدش دخله من يومها.
وفي اللحظة نفسها...
وقع المفتاح النحاسي من إيدي على الأرض.
ولما ارتطم بالسيراميك...
انشق نصفين.
وظهر من داخله شيء صغير جدًا لم يكن أحد يتوقع وجوده
مفتاح ثانٍ... أصغر حجمًا، ومصنوع من الذهب انحنيت بسرعة والتقطت المفتاح الذهبي.
كان صغيرًا جدًا، لا يتعدى طول عقلة الإصبع، وعلى رأسه نقش غريب يشبه شجرة لها ثلاثة فروع.
بصتله نهى وهمست
النقش ده...
سألتها شفتيه قبل كده؟
هزت رأسها ببطء.
أيوه... في بيت جدي.
...
في نفس اليوم،
روحنا البيت القديم.
كان في آخر شارع هادئ، بابه الخشبي مغطيه التراب، والشبابيك مقفولة من سنين.
أول ما وقفنا قدامه، حسيت بإحساس غريب.
مش خوف...
إحساس إن المكان مستني حد يرجعله.
طلع جوز نهى مفتاح الباب القديم، وبعد محاولات فتحه.
الباب عمل صوتًا طويلًا وهو بيتفتح، وكأن البيت بيتنفس لأول مرة من سنين.
دخلنا.
ريحة الخشب القديم والغبار كانت مالية المكان.
الأثاث كله متغطي بملايات بيضا، والساعات على الحيطان واقفة.
كأن الزمن وقف هنا.
آدم كان ماشي قدامنا بهدوء، يبص يمين وشمال، كأنه حافظ المكان.
وفجأة وقف قدام سلم خشبي.
وقال
مش هنا.
استغربنا.
لف ناحية أوضة صغيرة تحت السلم.
وأشار بإيده.
هناك.
دخلنا الأوضة.
كانت فاضية تقريبًا، غير مكتبة قديمة مليانة كتب.
بدأنا نفتش.
فتحنا الأدراج، قلبنا الكتب، لكن مفيش أي حاجة.
كنت على وشك أقول إننا فهمنا الخريطة غلط.
لكن آدم قرب من المكتبة، وحط إيده على كتاب كبير مغبر.
ولما شده...
سمعنا صوت خفيف.
طَق.
المكتبة اتحركت سنتيمترات قليلة.
كلنا اتجمدنا.
جوز نهى زقها بحذر.
وراها ظهر باب حديد صغير، مدفون جوه الحائط.
وفي نص الباب...
كان فيه قفل صغير بنفس شكل المفتاح الذهبي.
بصيت للمفتاح اللي في إيدي.
ثم للقفل.
قلبي كان بيدق بقوة.
دخلت المفتاح ببطء...
ولأول مرة من سنين...
سمعنا صوت القفل وهو بيفتح.
لكن قبل ما نفتح الباب الحديدي...
لقينا ظرفًا أبيض ملزوقًا عليه من الخارج.
وعليه بخط قديم واضح
لا تفتحوا هذا الباب... إلا بعد أن يقرأ الجميع الرسالة الموجودة بالداخل وقفنا كلنا نبص للظرف.
الغريب إنه كان مثبت من بره الباب، كأن صاحبه كان عارف إن أي حد هيوصل للمكان ده هيشوفه قبل ما يفتح.
نزعت الظرف بحذر.
كان مقفول بالشمع الأحمر، وعليه نفس ختم الشجرة ذات الفروع الثلاثة.
فتحت الشمع، وطلعت ورقة مطوية بعناية.
بدأت أقرأ بصوت مسموع
إذا وصلت هذه الرسالة إلى صاحبتها، فاعلمي أن ما ستجدينه خلف هذا الباب ليس كنزًا من الذهب، ولا أسرارًا تُخيف. إنه أمانة عائلية احتفظت بها سنوات طويلة حتى لا تضيع، ووعد قطعته لصديق رحل قبل أن يستردها.
بصيت لنهى.
كانت

بتسمع وهي ماسكة نفسَها.
كملت القراءة
في هذا المكان محفوظ صندوق فيه عقود قديمة، وصور، ورسائل، وشجرة نسب العائلة، وكل ما يثبت حقوق أصحابها. لم أرد أن تقع هذه الأوراق في الأيدي الخطأ أثناء الخلافات التي فرقت الأسرة.
سكتُّ لحظة.
إذًا كل الحكاية كانت عن أمانة... مش عن سر مخيف.
وفي آخر الرسالة كان فيه سطر مكتوب بخط مختلف، واضح إنه أضيف بعد سنين
وابنكِ كان آخر من وافق أن يحمل هذه الأمانة، وأصر أن يوصلها بنفسه، وقال لي أمي بتحب تجمع شمل العيلة... وهي أول واحدة لازم تعرف الحقيقة.
انهمرت دموعي.
ابتسمت رغم الوجع.
حتى في آخر أيامه... كان بيفكر فيَّ.
نهى مسحت دموعها وقالت
كان طيب أوي... الله يرحمه.
مددت إيدي ناحية مقبض الباب الحديدي.
لكن قبل ما أفتحه، سمعنا صوت ارتطام خفيف جاي من داخل الغرفة.
كلنا بصينا لبعض.
جوز نهى قال بهدوء
أكيد حاجة وقعت بسبب إن الباب اتحرك.

لكن الصوت اتكرر...
مرة تانية.
ثم ساد الصمت.
أخذت نفسًا عميقًا، ولففت المقبض ببطء...
وبدأ الباب الحديدي يفتح، كاشفًا عن غرفة صغيرة لم يدخلها أحد منذ عشرات السنين، لكن أول ما وقع نظرنا على ما بداخلها...
توقفنا جميعًا في مكاننا من شدة المفاجأة فتح الباب ببطء، وصرير المفصلات كسر الصمت.
دخل جوز نهى الأول، وشغّل كشاف الموبايل.
النور كشف عن غرفة صغيرة، جدرانها من الحجر، وفي منتصفها ترابيزة خشب قديمة.
وفوق الترابيزة...
كان فيه صندوق خشبي كبير، محفور على غطاه نفس شعار الشجرة.
وحواليه أرفف عليها ملفات وصناديق أصغر، كلها متغطية بطبقة سميكة من التراب.
لكن اللي لفت انتباهي مش الصندوق...
كان كوب زجاج عليه شوية مية ناشفة، وكأنه حد شرب منه وسابه من زمن بعيد.
همست معقول المكان ده محدش دخله من سنين؟
جوز نهى قرب من الصندوق وقال شكله مقفول بالمفتاح الصغير.
ناولته المفتاح الذهبي.
حطه في القفل...
ولفّه بهدوء.
تك...
القفل اتفتح.
رفعنا الغطا.
جواه كانت رزم أوراق مربوطة بشرائط قماش، وألبومات صور قديمة، وعلبة مخمل خضراء.
فتحت العلبة.
لقيت فيها خاتم فضة.
نفس الخاتم...
اللي كان لابسه الرجل العجوز يوم سلمني الرسالة.
وتحته ورقة صغيرة مكتوب فيها
من يحمل هذا الخاتم، يصبح أمين الأمانة بعدي.
بصيت لنهى باستغراب.
قالت يبقى الأستاذ محمود كان آخر أمين.
بدأنا نقلب في الأوراق.
كان فيها عقود ملكية قديمة، وصور للعيلة من أكتر من أربعين سنة، وخطابات متبادلة بين أجدادنا.
وفجأة...
وقع ألبوم صور من بين الملفات.
فتحته.
وأول صورة فيه كانت صورة لابني...
لكن مش وهو كبير.
كان طفل عنده حوالي خمس سنين.
اتجمدت.
أنا متأكدة إن الصورة دي عمرها ما كانت عندي.
قلبت الصفحة بسرعة.
لقيت صورة تانية...
أنا وابني.
في عيد ميلاده السادس.
الصورة دي كمان اختفت من البيت بعد الحادث، وفضلت أدور عليها شهور.
بصيت لنهى وقلت
إزاي الصور دي هنا؟!
وقبل ما حد يرد...
لقينا ظرفًا صغيرًا وقع من بين صفحات الألبوم.
كان مكتوب عليه بخط الأستاذ محمود
هذه الصور أخذها ابنك بنفسه قبل الحادث بأيام، وقال احتفظ بيها مع الأمانة... ولما أمي تستلمها، قولها متزعلش إني أخدتها من غير إذنها، كنت عايز أعملها مفاجأة.
ابتسمت وسط دموعي.
لأول مرة من خمس سنين...
حسيت إن جزءًا من ابني رجع إليّ.
لكن بينما كنا نجمع الأوراق...
لاحظ آدم شيئًا غريبًا في آخر الغرفة.
كان هناك درج خشبي صغير، نصف مفتوح.
اقترب منه بهدوء، ثم ناداني
أبلة... هو ده كان مقفول ليه؟
ولما فتحنا الدرج بالكامل...
وجدنا بداخله مفكرة جلدية سوداء، وعلى أول صفحة منها مكتوب بخط ابني
يومياتي... ممنوع أي حد يقرأها إلا أمي شهقت، ومددت إيدي ناحية المفكرة.
كانت قديمة شوية، لكن واضح إنها كانت متحافظ عليها كويس.
لمست الغلاف بإيدي، وكأني بلمس إيد ابني.
فضلت ثواني مش قادرة أفتحها.
نهى حطت إيدها على كتفي وقالت بهدوء
اقريها... دي كانت أمنيته.
فتحت أول صفحة.
كان كاتب في أولها
لو أمي بتقرأ الكلام ده، يبقى أنا مش موجود قدامها... بس أتمنى لما
تخلص، تبتسم، ومتعيطش.
دموعي نزلت غصب عني.
قلبت الصفحة.
كان بيكتب عن أيامه العادية...
عن الجامعة...
وأصحابه...
وأحلامه.
وفي كل كام صفحة، كان يكتب سطرًا عني.
أمي بتتعب أوي... ولازم أخليها ترتاح.
نفسي أجيب لها بيت أكبر.
كل ما أكبر، بحس قد إيه هي ضحت عشاني.
كل كلمة كانت بتوجعني، وفي نفس الوقت بتطمني إن ابني
 

تم نسخ الرابط