بقدم مكسورة حكايات ميرا
كنت هتيجي برضه؟
لم يجد إجابة.
قالت بهدوء
خلاص يا كريم...
الإجابة وصلت.
استدار ببطء، وغادر دون أن ينطق بكلمة.
راقبته ليلى حتى اختفى من آخر الشارع.
ثم أغمضت عينيها وهي تشعر أن حملًا ثقيلًا انزاح عن قلبها.
لكنها لم تكن تعلم...
أن المفاجأة الأكبر لم تكن قد ظهرت بعد.
ففي مساء اليوم نفسه، دخل أحمد منصور مكتبها وعلى وجهه علامات القلق.
ووضع أمامها ملفًا قديمًا، وقال
أستاذة ليلى... أثناء مراجعة أرشيف الشركة لقينا مستندات تثبت إن اللي عمله كريم... مش أكبر مشكلة عندنا.
رفعت رأسها باستغراب.
تقصد إيه؟
أخذ أحمد نفسًا عميقًا وقال
في حد من جوه الشركة بيسرق ملايين من سنين... وقبل ما كريم يشتغل عندنا بوقت طويل.
يتبع...
الجزء الخامس
أمسكت ليلى بالملف بسرعة.
كانت الصفحات صفراء، وبعضها يعود إلى أكثر من سبع سنوات.
قال أحمد منصور
اكتشفنا التحويلات بالصدفة أثناء مراجعة حسابات كريم... لكن اللي لقيناه أكبر بكتير.
تصفحت ليلى الأوراق في صمت.
كل عملية تحمل المبلغ نفسه تقريبًا...
وتتم في نهاية كل ربع سنة.
لكن المستفيد...
شركة لم تسمع باسمها من قبل.
الشرق للاستشارات.
قالت ليلى
دي شركة وهمية.
أجاب المحامي
كانت وهمية... واتقفلت من خمس سنين.
سألت بدهشة
والفلوس كانت
صمت أحمد للحظة، ثم قال
ده اللي خلانا نطلب اجتماع عاجل.
أخرج صورة قديمة من الملف.
وضَعها أمامها.
اتسعت عيناها.
مستحيل...
كان الرجل في الصورة...
عمها عادل الدمنهوري.
الرجل الذي شارك والدها في تأسيس الشركة قبل وفاته، ثم اختفى من حياتهم تمامًا.
قال أحمد
كل الأدلة بتقول إنه استولى على ملايين قبل ما يبيع أسهمه ويختفي.
تنهدت ليلى ببطء.
همست
كنت فاكرة إن خيانة جوزي هي أصعب حاجة حصلتلي...
واضح إن الحكاية بدأت قبل كده بسنين.
في الوقت نفسه...
كان كريم يجلس في شقة صغيرة استأجرها بعد خروجه من الفيلا.
رن هاتفه من رقم مجهول.
ألو؟
جاءه صوت رجل خشن
إنت كريم الشناوي؟
أيوه.
عندنا كلام مهم يخص ليلى... ويخص الشركة.
قطب حاجبيه.
مين حضرتك؟
رد الرجل
أنا اللي أعرف الحقيقة كلها...
وحقيقة عمها كمان.
ثم أغلق الخط.
ظل كريم ينظر إلى الهاتف طويلًا.
لأول مرة...
شعر أن هناك أسرارًا كان مجرد أداة فيها، وأن اللعبة التي ظنها انتهت... ربما بدأت الآن.
وفي الجهة الأخرى، كانت ليلى تنظر إلى صورة والدها المعلقة على جدار مكتبها، وقالت بصوت منخفض
أوعدك يا بابا...
المرة دي مش هسامح أي حد خان الأمانة... مهما كان قريب.
يتبع...
أكيد، دي نهاية كاملة ومغلقة للقصة.
الكتابة
النهاية
في
لم تنتظر ليلى طويلًا.
أصدرت أوامرها بتشكيل لجنة قانونية مستقلة لمراجعة جميع حسابات الشركة منذ تأسيسها.
وبعد أسبوعين من التحقيق...
كانت الحقيقة كاملة أمامها.
لم يكن كريم هو العقل المدبر.
كان مجرد مدير استغل منصبه لتحقيق مكاسب شخصية.
أما الاختلاس الأكبر...
فقد بدأ قبل سنوات طويلة، على يد عمها عادل، الذي استغل مرض والدها في أيامه الأخيرة، وأنشأ شركات وهمية حوّل إليها ملايين الجنيهات قبل أن يختفي خارج البلاد.
تم إرسال الملف كاملًا إلى النيابة.
وبعد أشهر من التعاون مع الجهات المختصة، ألقي القبض على عادل فور عودته إلى مصر، وصدر بحقه حكم بالسجن ورد الأموال.
أما كريم...
فثبتت عليه تهم التلاعب بالمصروفات واستغلال أموال الشركة لأغراض شخصية.
صدر قرار بفصله نهائيًا، ومنعه من تولي أي منصب إداري في الشركة، مع إلزامه برد الأموال التي حصل عليها دون وجه حق.
وفي المحكمة...
وقف كريم لأول مرة دون غرور.
لم يعد يرتدي بدلته الفاخرة.
ولا ساعته الثمينة.
نظر إلى ليلى وقال بصوت مكسور
أنا خسرت كل حاجة.
أجابته بهدوء
لا...
وسكتت لحظة.
أنت خسرت أول يوم عاملتني فيه كإني خدامة، وأنا زوجتك.
ثم وقّعت أوراق الطلاق.
دون دموع...
ودون تردد.
أما الحاجة
فخرجت من المحكمة مطأطأة الرأس.
اقتربت من ليلى وقالت بصوت خافت
سامحيني...
أنا ظلمتك.
ابتسمت ليلى ابتسامة هادئة وقالت
مسامحاك...
لكن المسامحة حاجة...
والرجوع للماضي حاجة تانية.
وغادرت.
مرت سنة كاملة.
كبرت شركة النخبة، وافتتحت عدة فروع جديدة، وأطلقت مبادرة لتدريب الشباب وتوفير فرص عمل للأرامل والمطلقات والنساء المعيلات.
أما المخبز الصغير...
فرفضت ليلى أن تغلقه.
كانت تزوره كل أسبوع بنفسها.
تقف خلف الفرن، وتخبز الخبز بيديها.
وعندما سألها أحد الموظفين
معقول صاحبة شركة بالمليارات لسه بتشتغل هنا؟
ابتسمت وقالت
من هنا بدأت...
والإنسان اللي ينسى بدايته، عمره ما يحافظ على نهايته.
وفي أحد الأيام...
دخلت فتاة شابة إلى المخبز، وهي تبكي.
قالت
جوزي بيقولي إني ماليش قيمة لأني بشتغل في مخبز.
ابتسمت ليلى وربتت على كتفها.
ثم قالت الجملة التي أصبحت تُعلَّق بعد ذلك على جدار كل فروع المخبز
قيمتك لا يحددها ما يراه الناس فيك... بل ما تعرفينه أنت عن نفسك.
وفي مساء اليوم نفسه...
أغلقت ليلى باب المخبز، ورفعت وجهها إلى السماء.
تذكرت يوم الحادث...
الكسر...
والغرز...
واثنتين وخمسين مكالمة فائتة.
ابتسمت وقالت
الحمد لله...
لو ما اتكسرتش رجلي يومها...
ما كنتش
ثم ركبت سيارتها، وانطلقت نحو مستقبل صنعته بيديها...
هذه المرة، بلا خوف... وبلا تنازلات.
تمت.