سر زوجي بقلم زهرة الربيع

لمحة نيوز


ابني.
كريم قال بعصبية
إيه علاقة ده بالتبديل؟
شريف مسح دموعه.
وقال
لأن الست دي كانت عارفة حاجة أنا معرفهاش.
كانت عارفة إن فيه ناس بتخطط تخطف طفل من المستشفى.
شهقت.
أما ياسين فثبت نظره عليه.
وقال
تكمل.
شريف هز رأسه.
في الأول افتكرتها مجنونة.
لكن بعد ساعات...
سمعت ممرضة بتتكلم مع شخص في ممر المستشفى.
بلع ريقه.
وسمعتها بتقول إن الطفل المطلوب اتحدد بالفعل.
الدنيا بدأت تتعقد أكتر.
قلت
يعني كان فيه خطف؟
قال
أيوه.
مش تبديل عشوائي.
كان فيه طفل معين حد عايزه يختفي.
كريم قال
مين الطفل؟
رفع شريف عينه ببطء.
وبص ناحية ياسين.
ثم قال
هو.
اتجمد ياسين مكانه.
وأنا حسيت بقشعريرة في جسمي.
شريف أكمل
لما فهمت إن الطفل المقصود هو ابنك الحقيقي...
حاولت أبلغ.
لكن الناس اللي ورا الموضوع كانوا أقوى من أي حد.
ياسين قال بحدة
يعني سيبتهم ياخدوني؟
صرخ شريف
لا!
أول مرة صوته يخرج بالشكل ده.
ثم قال وهو يبكي
أنا اللي غيرت الخطة.
كلنا بصينا له.
والهواء اختفى من المكان.
قال
أنا اللي طلبت من الممرضة تبدل الأساور.
شهقت أنا.
وكريم رجع خطوة للخلف.
أما ياسين فوشه اتحول للون الرماد.
وقال بصوت خافت
إنت... عملت التبديل؟
هز شريف رأسه.
أيوه.
لكن مش عشان أسرق ابن حد.
كنت فاكر إني بنقذ طفل من مصير مرعب.
الصمت رجع تاني.
ثم أضاف
المشكلة...
إن بعد أيام قليلة، الأشخاص اللي كنت خايف منهم اختفوا فجأة.
والست اللي حذرتني ماتت.
والممرضة اختفت.
وأي دليل على اللي حصل اتحرق.
كريم قال
يعني طول السنين دي كلها...
قال شريف
فضلت مستني الحقيقة تظهر.
ثم نظر إلى ياسين مباشرة.
وقال
لكن في حاجة واحدة ما قلتهاش لحد.
ولا حتى للدكتورة.
ولا لأي محامي.
ولا لأي شخص.
قبض ياسين على الملف.
وقال
إيه هي؟
شريف فتح درج الطاولة المرتجفة إيده.
وأخرج ظرفًا قديمًا جدًا.
كان أصفر من الزمن.
وعليه تاريخ قديم يرجع لنفس أسبوع الولادة.
ثم وضعه أمام ياسين.
وقال
الجواب ده كان ملفوف جوه بطانية الطفل اللي أخدوه.
نظرت للظرف.
والكل كان محبوس أنفاسه.
أكمل شريف
وعمره ما اتفتح.
تجمدنا جميعًا.
ياسين قال بدهشة
ليه؟
رد شريف بصوت مرتعش
لأن

اللي كاتبه كان محذر...
ثم ابتلع ريقه وقال
إن أي حد يقرأ الرسالة قبل مرور ثلاثين سنة...
هيموت بسببه ناس أبرياء ساد الصمت في الشقة.
صمت مرعب.
كل واحد فينا كان منتظر شريف يتكلم.
لكن شريف كان قاعد على الأرض، باصص للورقة وكأنها طلعتله شبح من الماضي.
أنا قربت منه ببطء.
وقلت
مين الطفل الثالث يا شريف؟
رفع عينه ناحيتي.
ولأول مرة من يوم ما اتجوزنا...
شفت فيه نظرة خوف حقيقية.
الخوف اللي بيكسر الإنسان.
كريم صرخ
رد!
ياسين قبض على الورقة بقوة
مين الطفل الثالث؟
شريف أخد نفسًا طويلًا.
ثم قال
لأن يوم ولادتكم...
ماكانش فيه طفلين.
قلبي وقف.
وأكمل
كان فيه تلات أطفال.
سكت الجميع.
حتى الهواء بقى ثقيل.
قال
إنت يا كريم.
وأشار لياسين.
وإنت.
ثم أشار إلى الفراغ قدامه.
وطفل ثالث.
كريم قال بسرعة
ابن مين؟
هز شريف رأسه.
دي كانت المشكلة.
محدش كان عارف.
نظرت له بعدم فهم.
فأكمل
في ليلة الولادة حصل حريق صغير في مخزن المستشفى الخلفي.
الكل جري يطفي النار.
والأقسام اتقلبت فوق بعض.
والأطفال اتنقلوا أكتر من مرة.
ياسين قال
وبعدين؟
شريف بلع ريقه.
بعد الحريق بساعتين...
اكتشفوا إن فيه رضيع زيادة.
اتسعت عيوننا جميعًا.
زيادة؟!
هز رأسه.
أيوه.
طفل محدش عرف جه منين.
ولا مين أبوه.
ولا مين أمه.
شعرت بقشعريرة في ظهري.
أما كريم فقال
إزاي يعني؟
رد شريف
كل السجلات كانت بتقول إن فيه طفلين بس.
لكن الليلة دي كان فيه تلاتة.
ياسين قال
أكيد حد غلط.
لكن شريف هز رأسه.
دي أول حاجة قالوها.
لكن بعد مراجعة الكاميرات...
سكت فجأة.
كريم اقترب منه.
كاميرات إيه؟
رفع شريف رأسه ببطء.
وقال
الكاميرات أظهرت حاجة مستحيلة.
كلنا بقينا نحدق فيه.
وأكمل
أظهرت ممرضة داخلة الحضانة.
شايلة طفل.
وبعد خمس دقائق خرجت.
من غير الطفل.
بلعت ريقي.
وبعدين؟
قال
بعدها بدقائق دخلت نفس الممرضة مرة تانية.
لكن المرة دي كانت شايلة طفلين.
شعرت أن دقات قلبي أصبحت مؤلمة.
ياسين قال
يعني جابت طفل من برة؟
شريف هز رأسه.
المشكلة إنهم فتشوا المستشفى كلها.
وما لقوش أي أثر لأهل الطفل.
ولا ورقة واحدة تثبت وجوده.
الصمت رجع من جديد.
ثم قال
بعد يومين.
..
اختفى الطفل الثالث.
شهقت.
أما كريم فقال
اختفى إزاي؟
شريف رد
من الحضانة.
كأنه تبخر.
ثم سكت لحظة.
وأضاف
ومن يومها بدأت الحوادث.
نظرت إليه.
حوادث إيه؟
قال
كل شخص حاول يعرف هوية الطفل...
كان يحصل له شيء.
حادث.
اختفاء.
أو موت مفاجئ.
تبادلنا النظرات في خوف.
لكن الصدمة الأكبر جاءت بعدها.
لأن ياسين كان يقلب أوراق الملف بسرعة.
وفجأة توقف عند صورة قديمة.
وتجمد مكانه.
قلت
في إيه؟
لم يرد.
فأخذ كريم الصورة من يده.
وبعد ثانية واحدة فقط...
تغير لون وجهه هو الآخر.
انتزعت الصورة منهما.
ونظرت إليها.
فشعرت ببرودة تجتاح جسدي كله.
لأن الصورة كانت ملتقطة داخل الحضانة.
وفيها الأطفال الثلاثة.
لكن الطفل الثالث...
لم يكن مجرد رضيع عادي.
كان مربوطًا في معصمه سوار المستشفى.
وعليه اسم واحد فقط.
نادية.
اسمي أنا.
لكن تاريخ السوار...
لم يكن تاريخ ولادة ابني.
ولا حتى تاريخ دخولي المستشفى.
كان تاريخًا آخر...
قبل ولادتي أنا نفسها بعامين كاملين انغرقت الشقة في ظلام كامل.
صرخت وأنا أتمسك بطرف الكنبة.
كريم جرى ناحيتي فورًا، بينما ياسين أمسك هاتفه وفتح الكشاف.
نور خافت ظهر في الصالة.
لكن اللي زاد الرعب...
إن صوت الخبط على الباب ما وقفش.
دق! دق! دق!
كأن حد بيحاول يخلعه من مكانه.
شريف كان واقف متجمد، وعينيه على الباب.
أما الهاتف الملقى على الأرض، فكان لسه الخط مفتوح.
وسمعنا صوت الدكتور حمدي بيصرخ من السماعة
اهربوا!
متفتحوش لأي حد!
هما عرفوا إن الرسالة عندكم!
ثم فجأة...
انقطع الاتصال.
نظرت لشريف.
هما مين؟!
لكنه لم يجب.
كان شاردًا في شيء آخر تمامًا.
ثم قال جملة غريبة
بعد كل السنين دي... لقونا.
شعرت بقشعريرة تسري في جسمي.
كريم صرخ
بابا اتكلم!
لكن قبل أن يرد...
توقف الخبط فجأة.
سكون تام.
سكون أسوأ ألف مرة من الضوضاء.
كلنا بقينا نسمع أنفاس بعض.
ثانية...
ثانيتين...
ثلاثة...
ثم سمعنا صوتًا خافتًا جدًا.
صوت معدني.
يأتي من ناحية باب الشقة.
ياسين قرب بحذر.
ورفع الكشاف ناحية الباب.
وهنا اتسعت عيناه.
لا...
قلت بفزع
في إيه؟
رد بصوت مرتجف
حد بيحاول يفتح الباب بمفتاح.
تجمد الدم في عروقي.

الباب مقفول من الداخل.
فمن أين جاء المفتاح؟
وبالفعل...
سمعنا صوت دوران المفتاح داخل القفل.
ببطء.
وكأن الشخص بالخارج يملك نسخة أصلية.
شريف اندفع فجأة ناحية الباب.
وأغلق المزلاج الحديدي العلوي.
في اللحظة نفسها...
دار المقبض من الخارج.
ثم توقف.
وبعد ثوانٍ قليلة...
سمعنا خطوات تبتعد في الممر.
تنفسنا جميعًا بصعوبة.
لكن الراحة لم تدم.
لأن ياسين كان ما زال يسلط ضوء الهاتف على الأرض قرب الباب.
وقال فجأة
استنوا...
انحنى والتقط شيئًا.
كان ظرفًا صغيرًا دُس من أسفل الباب.
فتحناه بسرعة.
وفي داخله ورقة واحدة فقط.
مكتوب عليها بخط أسود كبير
لقد تأخرتم ثلاثين سنة.
وتحتها سطر آخر.
إذا كانت الرسالة القديمة ما زالت موجودة... فلا تفتحوها.
أما السطر الأخير...
فكان هو الأخطر.
لأن كاتبه كان يعرف شيئًا لا ينبغي أن يعرفه أي غريب.
مكتوب
واسألوا شريف عن ليلة الحريق... وعن الطفل الثالث.
رفعت رأسي ببطء نحو شريف.
كريم فعل الشيء نفسه.
وياسين كذلك.
أما شريف...
فقد اختفى اللون تمامًا من وجهه.
وهمس بكلمة واحدة بالكاد سمعناها
مستحيل...
ثم جلس على الأرض وكأن قدميه لم تعودا تحملانه.
لأن اسم الطفل الثالث...
كان السر الوحيد الذي أقسم طوال حياته ألا يعرفه أحد حدقت في الصورة غير مصدقة.
مرة.
واتنين.
وتلاتة.
يمكن عيني بتخدعني.
يمكن التاريخ مطبوع غلط.
لكن لا.
كان واضحًا جدًا.
1989
بينما أنا اتولدت سنة 1991.
إيدي بدأت ترتعش.
قلت بصوت مخنوق
دي أكيد صورة متفبركة.
كريم أخذ الصورة مني بسرعة.
وياسين قرب منها أكثر.
أما شريف فكان ينظر إليها وكأنه رآها من قبل.
وهنا انتبهت لشيء أخطر.
قلت
إنت شوفت الصورة دي قبل كده.
لم يكن سؤالًا.
كان يقينًا.
شريف أغلق عينيه للحظة.
ثم قال
أيوه.
شعرت بالغضب يشتعل داخلي.
يعني إنت كنت تعرف؟!
قال بسرعة
لا أعرف معناها.
لكن أعرف إنها موجودة.
ثم أشار إلى الملف.
الصورة دي كانت ضمن الأوراق اللي اختفت من المستشفى.
ياسين عقد حاجبيه.
طيب وصلت عندك إزاي؟
رد شريف
ماوصلتش عندي.
أنا شوفت نسخة منها من سنين.
وبعدها اختفت.
سكت لحظة.
ثم أكمل
كنت فاكر إني الوحيد اللي شافها.

كريم جلس على الكرسي وهو يمرر يده في شعره بعصبية.
وقال
أنا مش فاهم حاجة.
مرة طفلين.
مرة تلاتة.
ومرة طفل اتولد قبل أمه بسنتين!
ولأول مرة...
لم يكن لدى أحد رد.
لأن كلامه كان منطقيًا.
بل مستحيل.
وفجأة تذكر ياسين شيئًا.
أخذ ورقة من الملف بسرعة.
وقال
استنوا.
ثم بدأ يقرأ سطرًا صغيرًا كان مكتوبًا في الهامش.
سطر لم ننتبه له من قبل.
كلنا اقتربنا.
وكان مكتوبًا
الصورة
 

تم نسخ الرابط