سر زوجي بقلم زهرة الربيع

لمحة نيوز


وكريم بصينا للصورة.
كانت صورة قديمة جدًا لمستشفى الولادة.
وفيها مجموعة ممرضات وأطباء واقفين قدام الكاميرا.
ياسين أشار على سيدة في الصورة.
وقال
تعرفوها؟
هززت راسي بالنفي.
لكن شريف فضل ساكت.
ساكت زيادة عن اللزوم.
ساعتها كريم لاحظ.
وقال
بابا؟
رفع شريف عينه ببطء.
كان العرق مغرق جبينه.
وياسين قال
اسمها فاطمة.
الممرضة اللي كانت موجودة يوم الولادة.
ثم سحب ورقة مطوية بعناية.
وقال
قبل ما تموت بأسبوع كتبت اعتراف.
قلبي بدأ يخبط بعنف.
ياسين فتح الورقة وبدأ يقرأ
أنا فاطمة عبدالغفار... أقر وأنا بكامل قواي العقلية أن حادثة تبديل الأطفال سنة 1994 لم تكن خطأ كما تم تسجيلها...
اتسعت عيني.
أما كريم فاقترب خطوة للأمام.
وياسين أكمل القراءة
...بل تمت عمدًا بناءً على أوامر من شخص كان موجودًا داخل المستشفى.
البيت كله سكت.
حتى صوت أنفاسنا اختفى.
قلت بصعوبة
مين؟
ياسين نزل الورقة ببطء.
وقال
هي ما كتبتش الاسم مباشرة.
لكنها كتبت أوصاف وتفاصيل.
ثم سحب صفحة تانية.
وبدأ يقرأ.
ومع كل سطر...
كان لون وش شريف بيتغير أكتر.
لحد ما فجأة صرخ
كفاية!
قفزنا كلنا من مكاننا.
دي أول مرة في حياتي أشوف شريف بالشكل ده.
أول مرة صوته يعلى.
أول مرة أشوف الخوف في عينه بالشكل المرعب ده.
كريم بصله بصدمة
إنت مالك؟
لكن شريف مردش.
كان مركز نظره على الأوراق وكأنها قنبلة.
أما ياسين فقال بهدوء
أنا كمان استغربت.
استغربت ليه كل ما أقرب للحقيقة ألاقي حد بيحاول يوقفني.
مرة أوراق اختفت.
مرة شخص مجهول اتصل بيا وطلب مني أبعد.
ومرة عربيتي اتكسرت بطريقة غريبة.
بلعت ريقي.
وهو أكمل
وفي كل مرة...
كان فيه اسم بيتكرر قدامي.
كريم قرب أكتر.
وقال
اسم مين؟
ياسين بص مباشرة ناحية شريف.
وقال
شريف السيوفي.
حسيت وكأن صاعقة ضربت المكان.
كريم لف ناحية أبوه فورًا.
وأنا بقيت أحدق في جوزي بعدم تصديق.
لا...
مستحيل.
شريف اللي عاش معايا أكتر من عشرين سنة؟
شريف اللي كان بيبكي من شوية؟
شريف اللي ربي كريم وكبره؟
لكن الصدمة الأكبر

حصلت بعدها بثواني.
لأن شريف لم ينكر.
لم يغضب.
لم يصرخ.
بل جلس على الكرسي ببطء شديد.
وغطى وجهه بكفيه.
ثم قال بصوت مكسور
كنت ناوي أخد السر ده معايا للقبر...
ورفع رأسه أخيرًا.
وعينيه مليانة دموع.
وقال
لأن الحقيقة... أسوأ بكتير مما أنتم متخيلين فضلت واقفة مكاني، رجليا مش شايلاني.
الجرس رن مرة تانية.
ثم مرة تالتة.
وشريف واقف قدام الباب، إيده على المقبض ومش قادر يفتحه.
أما أنا فكنت حاسة إن قلبي هيخرج من صدري.
ابني؟
بعد كل السنين دي؟
هو برة؟
ولا يمكن يكون في خطأ؟
همست متفتحش...
بصلي شريف باستغراب.
قلت وأنا برجع لورا أنا مش مستعدة.
لكن قبل ما يرد، سمعنا صوت من برة الباب.
صوت شاب.
هادئ... لكنه متوتر.
يا أستاذ شريف... أنا عارف إن وجودي صعب عليكم... بس لو سمحت افتح.
تجمد الدم في عروقي.
الصوت فيه حاجة غريبة.
حاجة مألوفة.
حاجة خلتني أحس بقشعريرة في جسمي كله.
بصيت لشريف.
هو كمان كان ملاحظ.
فتح الباب ببطء شديد.
ووقف شاب في أوائل التلاتينات.
ملامحه مختلفة عن كريم.
لكن أول ما بصيت في عينيه...
حسيت بضربة قوية جوة قلبي.
نفس لون عيني.
نفس النظرة.
ونفس الحركة اللي بعملها وأنا متوترة... كان بيعض طرف شفته من غير ما يحس.
وقفنا نبص لبعض ثواني طويلة.
ولا واحد فينا عرف يتكلم.
لحد ما الشاب قال بصوت مبحوح
أنا اسمي ياسين.
ثم مد إيده وهو مرتبك
وأعتقد... إني ابنك.
الكلمة وقعت عليا كالصاعقة.
لقيت نفسي قاعدة على أقرب كرسي.
الدنيا كانت بتلف.
وياسين واقف مكانه مش عارف يقرب ولا يبعد.
وفجأة خرج كريم من أوضته.
كان راجع من شغله من شوية ومحدش لحق يحكيله حاجة.
بص علينا باستغراب.
وبص لياسين.
وقال
مين ده؟
الصمت خيم على المكان.
وشريف ابتلع ريقه بصعوبة.
أما ياسين فلف ناحيته وبصله نظرة طويلة جداً.
نظرة كلها حيرة وألم.
وقال بهدوء
يمكن... الشخص اللي عاش حياتك.
كريم عقد حواجبه مش فاهم.
في اللحظة دي شريف اضطر يحكي.
دقيقة ورا دقيقة.
وكل كلمة كانت بتكسر قلب اتنين.
كريم لونه اتسحب.
وياسين دموعه
بدأت تنزل.
أما أنا فكنت قاعدة أراقب المشهد وكأني بحلم.
لحد ما كريم وقف فجأة.
وقال بعصبية
لا.
بصله شريف يا ابني اسمع...
لكن كريم ضرب بإيده على الترابيزة.
لا!
بعد كل السنين دي ييجي واحد يقول أنا ابنكم؟
التوتر زاد.
وياسين نزل عينه للأرض.
وقال أنا مش جاي أخد مكان حد.
أنا أصلاً ماكنتش عايز أجي.
كريم ضحك ضحكة قصيرة مليانة وجع.
أمال جيت ليه؟
رفع ياسين عينه.
وقال جملة خلتنا كلنا نتجمد
لأني لما بدأت أدور ورا قصة تبديل الأطفال... اكتشفت إن فيه حد كان عارف الحقيقة من أول يوم.
ساد الصمت.
شريف اتجمد.
وأما أنا فقلبي وقع.
كريم قال يعني إيه؟
أخرج ياسين ملفًا سميكًا من شنطته.
وحطه فوق الترابيزة.
ثم قال
في شخص اشتغل في المستشفى وقت ولادتكم.
وساب اعتراف مكتوب قبل ما يموت.
بصيت للملف.
وبصيت لشريف.
ولأول مرة من بداية الليلة...
شفت الرعب الحقيقي في عينيه.
رعب أكبر من أي حاجة حصلت قبل كده.
وكأنه يعرف بالضبط...
ماذا يوجد داخل ذلك الملف تبادلنا النظرات في ذهول.
لثوانٍ محدش فينا اتكلم.
كان الظرف القديم مرمي قدامنا على الترابيزة، كأنه قنبلة موقوتة.
كريم ضحك ضحكة عصبية وقال
إحنا بجد قاعدين نصدق الكلام ده؟ رسالة هتموت ناس؟!
لكن شريف ما ضحكش.
ولا حتى ابتسم.
فضل باصص للظرف بنظرة خوف حقيقية.
الخوف اللي بيكون ساكن جوا الإنسان سنين طويلة.
قال بصوت واطي
أنا كمان كنت فاكرها خرافات.
عشان كده حاولت أفتحه مرة.
اتجمدنا كلنا.
قلت بسرعة
إيه؟
هز رأسه.
من حوالي خمستاشر سنة.
ثم سكت لحظة.
وياريتني ما حاولتش.
ياسين قرب للأمام.
إيه اللي حصل؟
شريف بلع ريقه.
وقال
بعد ما فتحت جزء صغير منه بساعات...
الممرضة فاطمة اتعملها حادثة.
ساد الصمت.
وأضاف
بعدها بأيام قليلة الشخص الوحيد اللي كان يعرف مكانها مات هو كمان.
أنا حطيت إيدي على فمي.
أما كريم فقال
ممكن تكون صدفة.
أكيد صدفة.
لكن شريف لم يرد.
لأنه في اللحظة دي...
كان نظره ثابت على الظرف كأنه شايف شبح.
وفجأة...
رن هاتف ياسين.
صوت الرنين وسط التوتر
خلانا كلنا ننتفض.
بص للشاشة.
وتغير لونه فورًا.
قلت
في إيه؟
رد ببطء
رقم خاص.
ثم فتح المكالمة.
وحطها على السماعة.
وجالنا صوت رجل عجوز.
صوت متعب ومبحوح.
قال
لو الرسالة لسه عندكم...
تجمدنا.
وأكمل
ما تفتحوهاش.
قفز ياسين واقفًا.
مين حضرتك؟
لكن الرجل تجاهل السؤال.
وقال
أنا آخر واحد عايش من الناس اللي شافت اللي حصل سنة 1994.
الدم جمد في عروقي.
أما شريف فبدا وكأنه عرف الصوت.
قال فجأة
مستحيل...
الرجل رد
أيوه يا شريف.
أنا الدكتور حمدي.
شهق شريف بقوة.
إنت عايش؟!
الرجل ضحك ضحكة قصيرة حزينة.
وقال
للأسف.
كلنا بقينا مصدومين.
لأن شريف كان مقتنع من سنين إن الدكتور ده مات.
لكن الصوت أكمل
اسمعوني كويس.
التبديل ماكنش بين طفلين.
نظرت إلى كريم.
ثم إلى ياسين.
والرعب بدأ يكبر جوايا.
الرجل قال
أنتم طول الوقت بتدوروا على إجابة السؤال الغلط.
ياسين صاح
يعني إيه؟
رد الرجل
لأن الطفل اللي اختفى يومها...
ماكانش ياسين.
ساد صمت مطبق.
حتى أنفاسنا وقفت.
ثم سمعنا الجملة اللي قلبت كل حاجة رأسًا على عقب
الطفل اللي كانوا بيدوروا عليه...
كان كريم.
سقط الهاتف من يد ياسين.
أما شريف فوقف فجأة كأنه اتصعق بالكهرباء.
وأنا حسيت إن الأرض انسحبت من تحت رجلي.
لكن قبل ما أي حد يسأل أو يفهم...
جالنا صوت قوي من خارج الشقة.
صوت ارتطام عنيف بالباب الرئيسي.
مرة.
ثم مرة تانية أقوى.
ثم صوت رجل غريب بيصرخ من الخارج
افتحوا الباب فورًا!
وفي نفس اللحظة...
انقطع النور عن الشقة كلها ساد صمت ثقيل.
الصمت اللي بيخلي دقات القلب أعلى من أي صوت تاني.
كريم كان واقف مذهول.
ياسين قابض على الملف بقوة.
أما أنا فكنت ببص لشريف وكأني أول مرة أشوفه.
قلت بصوت مخنوق
اتكلم...
أسوأ إيه؟
شريف أخد نفس طويل.
وبان عليه إنه بيحارب نفسه قبل ما ينطق.
ثم قال
أنا فعلاً كنت موجود يوم الولادة.
اتسعت عيني.
إيه؟!
هز رأسه ببطء.
كنت موجود في المستشفى من قبل ما تدخلي غرفة العمليات.
كريم قرب خطوة.
وبعدين؟
شريف بص للأرض.
وقال
في اليوم ده...
حصلت حاجة محدش يعرفها غيري.
ثم سكت.
سكت لدرجة إن أعصابنا كلها كانت هتنفجر.
وأخيرًا قال
قبل ولادتك بساعات يا نادية... دخلت عليا واحدة ست.
أنا عقدت حاجبي.
مين؟
قال
ست معرفهاش.
وكانت معاها طفلة صغيرة.
كلنا بقينا مركزين معاه.
وكمل
قالتلي كلام غريب جدًا.
قالت إن فيه مصيبة هتحصل النهارده.
وإن لازم آخد بالي من
 

تم نسخ الرابط