مراتي كانت بتخلي فلوس

لمحة نيوز


إنه بقى جزء مني.
ابتسمت بهدوء، من غير ما أدور على مصدره هقوم.
وقمت فعلًا.
بس المرة دي مش علشان أهرب من حاجة.
ولا علشان ألحق حاجة.
علشان أعيشها.
فتحت باب الشقة.
الهوا اللي دخل كان بسيط، لكنه خفف حاجة تقيلة جوايا.
وقبل ما أنزل السلم
لقيت نفسي واقف لحظة قدام الباب من جوه.
كأني بسأل نفسي سؤال أخير
هو اللي فات كان وهم؟ ولا تجربة؟
ومفيش صوت جاوب.
بس في إحساس واضح إن السؤال نفسه ما بقاش مهم زي الأول.
نزلت السلم.
صوت الناس تحت، حركة الشارع، حتى الضوضاء كل ده ما بقاش يضغط عليّا.
بقى مجرد حياة.
ولأول مرة من سنين
مش شايف نفسي ضايع وسطها.
شايف نفسي جزء منها.
ويمكن ده كان كل اللي محتاج أفهمه من البداية نزلت الشارع بخطوات هادية، مش مستعجلة ومش مترددة.
الهواء كان أبرد شوية من اللي متعود عليه، بس للمرة دي ما حسّيتش إنه بيشدني لورا بالعكس، كان كأنه بيفتح مساحة قدامي.
وقفت عند أول ناصية.
العربيات ماشية، الناس رايحة جاية، صوت الحياة شغال زي ما هو من غير ما يستنى حد يفهمه.
طلعت تليفوني من جيبي.
من غير سبب واضح فتحت الصور.
وقفت عند صورة قديمة.
أنا وهي.
نفس اللي شفتها قبل كده.
بس المرة دي ما حسّيتش بصدمة ولا سؤال كبير.
حسّيت بحاجة أبسط
امتنان.
قفلت الشاشة بهدوء.
وفي اللحظة دي، موبايل رن.
رقم غريب.
وقفت مكاني.
بصيت للشاشة.
رديت.
صوت هادي جه وصلت؟
سكت لحظة.
مش صوتها.
ومش صوت طارق.
صوت حد تاني غريب، لكنه مألوف بشكل مزعج.
سألت وصلت إيه؟
الرد جه بعد ثانية المرحلة اللي بعد الفهم.
بصيت قدامي في الشارع.
الناس ما زالت ماشية عادي.
لكن أنا حسّيت إن في حاجة خفيفة اتغيرت في الإيقاع حواليّ.
كأن الحياة نفسها بتستعد لطبقة أعمق.
قلت بهدوء وأنا مطلوب مني إيه دلوقتي؟
الصوت رد ما تتدخلش بس تلاحظ.
وسكت.
المكالمة

قطعت.
وقفت مكاني شوية.
وبعدين ابتسمت ابتسامة بسيطة.
مش خوف.
مش حيرة.
بس وعي جديد إن اللي فات ما كانش نهاية حاجة كان بداية طريقة مختلفة في رؤية نفس العالم.
ولأول مرة
ما جريتّش ورا الإجابة.
مشيت بس وأنا باخد بالي كملت مشي في الشارع، بس المرة دي ما كنتش بتمشي وخلاص كنت كأني بتفرّج على الدنيا وهي شغالة قدامي طبقة طبقة.
كل حاجة فيها بقت أوضح، مش بمعنى إنها أبسط، بالعكس كأن التفاصيل اللي كنت بتفوتني زمان بقت بتبان لوحدها.
واقف عند إشارة المرور، لقيت طفل بيشد إيد أمه عشان يوريها حاجة في السما.
ضحكت من غير ما أحس.
بس في نفس اللحظة الموبايل في جيبي اهتز.
رسالة.
من نفس الرقم المجهول.
بص على اللي مش بيبص عليك.
رفعت عيني تلقائيًا.
بصيت حواليا.
ناس ماشية، عربيات، صوت عادي.
لكن
في واحد واقف على الناصية التانية.
ما بيتحركش.
ما بيبصش في موبايله زي الباقي.
عينه عليّا أنا.
وقفة ثابتة، كأنّه كان مستنيني من بدري.
حسّيت برودة خفيفة في ظهري.
بس المرة دي ما جريتش.
ما استخبيت.
بس ثبت مكاني.
هو ابتسم.
ابتسامة بسيطة جدًا مش تهديد، ومش طمأنة.
أقرب ل فهم.
وبعدها، رفع إيده ببطء، كأنه بيحييني.
وبعدين مشي.
اختفى وسط الزحمة كأنه جزء منها.
وقتها بس، حسّيت إن الرسالة اللي جاتلي مش تحذير كانت تعريف.
تعريف إن في مستوى جديد من الملاحظة بدأ يشتغل.
كمّلت المشي.
بس المرة دي كنت شايف إن العالم مش بس بيتشاف
ده كمان بيشوفني وقفت لحظة عند آخر الشارع، مش علشان تعبت لكن علشان الإحساس الجديد كان محتاج يتفهم.
إن العالم بيشوفني دي فكرة غريبة، مش مرعبة، لكن تقيلة على العقل.
كملت المشي ناحية الكورنيش.
المية كانت هادية بشكل غير معتاد، كأنها بتعكس السماء بدون تشويش.
قعدت على سور البحر.
طلعت نفس عميق.
وفي اللحظة دي
لقيت
حاجة غريبة.
مش في الشارع.
في نفسي.
الإحساس اللي كان بيجيلي من قبل القلق، التوهان، الأسئلة الكتير ما بقاش موجود بنفس الطريقة.
ما اختفاش.
بس بقى بعيد.
كأنه بقى صوت حد تاني مش أنا.
الموبايل رن تاني.
بس المرة دي ما رديتش بسرعة.
بصيت للشاشة.
نفس الرقم.
سكت لحظة وبعدين رديت.
الصوت جه إنت بدأت تلاحظ.
سألت بهدوء تلاحظ إيه بالظبط؟
الرد كان أبسط من كل اللي فات إنك مش لوحدك في اللي انت فاكره تفكير.
سكت.
وبعدين كمل في ناس بتصحى وناس بتكمل نومها وناس بتراقب اللي بين الاتنين.
بصيت حواليا.
مفيش حاجة واضحة.
بس لأول مرة، حسّيت إن الاختلاف مش في المكان بل في طريقة القراءة.
سألت وإنتوا مين؟
الصوت رد بعد لحظة إحنا مش جهة إحنا نمط.
وسكت.
وبعدين أضاف وإنت دلوقتي بدأت تبقى جزء منه مش علشان اخترت، لكن علشان فهمت.
وقبل ما أتكلم
الخط فصل.
قعدت على السور تاني.
بصيت للمية.
ولأول مرة ما سألتش ليه أنا؟
سألت سؤال مختلف
دلوقتي ألاحظ إيه الأول؟
وفي اللحظة دي
شفت نفس الشخص اللي كان في آخر الشارع.
واقف بعيد.
بس المرة دي
مش بيبص عليّا.
كان بيبص للبحر.
كأنه بيستنى حاجة تطلع منه قفلت عيني لحظة ورجعت فتحتها تاني.
هو لسه واقف.
نفس الشخص.
بس في حاجة اتغيرت في إحساسي نحوه ما بقاش مراقِب ليّا بقى مستني زيي.
قمت من على السور وقرّبت خطوة خطوة ناحية البحر.
وهو ما اتحركش.
لحد ما بقيت على مسافة تسمح لي أشوف ملامحه بوضوح.
وش عادي مفيهوش أي حاجة ملفتة، بس عينه كانت غريبة مش مركزة على حاجة بعينها، كأنه شايف حاجة أوسع من المشهد كله.
سألت بهدوء إنت كنت بتبص عليّا ليه؟
رد من غير ما يبصلي ما كنتش ببص عليك.
سكت لحظة.
وبعدين كمل كنت ببص لرد فعلك.
قطّبت رد فعلي على إيه؟
أشار ناحية البحر.
بصيت.
المية كانت هادية هدوء زيادة عن
الطبيعي.
لكن فجأة
سطح البحر بدأ يعمل تموّجات صغيرة في نقطة واحدة بس.
زي حد بيقرب من تحت.
قلبي دق.
الشخص قال بهدوء كل واحد بيوصل هنا بيشوف حاجة مختلفة.
سألته وهنا يعني إيه؟
ابتسم ابتسامة خفيفة هنا هو آخر مكان في القراءة القديمة وأول مكان في القراءة الجديدة.
المية بدأت تعلى في نقطة واحدة من غير موج، من غير ريح.
كأن حاجة بتطلع.
وقتها حسّيت إن الإحساس القديم رجع لحظة واحدة التردد.
لكن المرة دي ما كانش خوف.
كان وعي إن في حاجة هتتفتح مش جوا العالم جوا الفهم نفسه.
المية اتشقّت بشكل بسيط جدًا.
وظهر تحتها ضوء خافت.
مش أبيض.
ولا أزرق.
لون جديد ما اعرفوش.
الشخص قال بهدوء لو وقفت هنا هتشوف الحقيقة اللي ما بتتقالش في أي قصة.
سألته ولو دخلت؟
رد هتبطل تحتاج سؤال ليه.
سكت.
بصيت للضوء اللي تحت المية.
وبصيت للشارع ورايا.
وبصيت لنفسي.
وفي اللحظة دي ما بقاش القرار عن فضول أو خوف.
بقى عن شيء أبسط
هل أنا مستعد أشوف من غير ما أهرب بالسؤال؟الضوء تحت سطح البحر كان ثابت بشكل غريب مش بيزيد ولا بيقل، كأنه ينتظر مش ينادي.
الشخص اللي واقف جنبي ما كانش مستعجل. بالعكس، كأنه عارف إن اللحظة دي لازم تاخد وقتها.
قلت بصوت هادي ولو دخلت وشفت وبعدها رجعت؟ هبقى فاكر؟
هز راسه الوعي ما بيتشالش بس بيتغير شكله.
سكت لحظة، وبعدين أضاف السؤال الحقيقي مش هترجع فاكر إيه السؤال هتقدر تعيش بنفس الطريقة بعدها؟
الموجة اللي تحت بدأت تعلى شوية وبعدين تهدى تاني، كأنها بتختبرني.
حسّيت إن الدنيا حواليا بقت أبطأ.
حتى صوت البحر نفسه بقى واضح زيادة عن اللزوم.
خطوة لقدام.
وقفت على حافة السور.
المية تحت مش بتيجي زي بحر عادي كانت شبه سطح مرآة متحرك.
وفي وسطها، الضو بقى أوضح.
وظهر فيه شكل مش واضح بالكامل، لكن فيه ملامح شبه باب.
نفس
الإحساس القديم رجع لحظة
إن كل اللي فات كان بيجهزني لنقطة واحدة بس.
الشخص قال مفيش إجابة هناك. فيه إدراك.
سألته وإنت هتيجي معايا؟
هز راسه أنا مجرد نقطة في الطريق مش الطريق نفسه.
سكت.
وبعدين بصلي
 

تم نسخ الرابط