مراتي كانت بتخلي فلوس
اللي شايلة كل حاجة.
وصلت لآخر الممر.
لقيت باب خشب بسيط.
مقفول من غير قفل.
دفعت الباب بإيدي.
اتفتح.
وفي اللحظة دي
اتسمرت.
مش غرفة كنز.
مش فلوس.
ده كان مكتب صغير مرتب جدًا.
وفي النص
كرسي.
وعليه ظرف مكتوب عليه
لما تفهم إنك كنت عايش مش لوحدك افتحه.
وقبل ما ألمسه
سمعت صوتها.
ورايا.
هادئ جدًا
كنت مستنيك تفهم لوحدك ولا لسه محتاجني أقولك؟اتجمدت مكاني.
الصوت كان قريب لدرجة إني حسّيت إن النفس لمس ضهري.
بطّأت التفافتي ببطء شديد كأني بخاف أكتشف إني بتخيل.
ولما بصيت
كانت هي.
واقفة عند باب المكتب، نفس الملامح، نفس الهدوء بس في عينيها حاجة مختلفة. مش ضعف، ومش مرض وعي تقيل، كأنها شايلة سنين زيادة عن اللي عشته أنا.
رجعت خطوة لورا وأنا بهمس إنتِ إنتِ إزاي؟ أنا شفت
قاطعتني بهدوء شفت إيه؟ موتي؟
سكت.
الكلمة نفسها كانت تقيلة على لساني.
قربت خطوة واحدة جوه الغرفة، وقالت كنت متوقعني أسيبك تمشي في الطريق لوحدك؟
حاولت أفهم الرسالة الصندوق الصور إنتِ اللي عملتي ده كله؟
هزّت راسها أنا بس سيبت لك الطريق لما تبقى جاهز تشوفه.
بصيت حواليا، المكتب، الظرف، الكرسي وكل حاجة بقت فجأة منطقية بشكل مخيف.
سألتها بصوت واطي يعني إيه؟ إنتِ كنتي عايشة فين؟ وأنا كنت بموت من غيرك!
ابتسمت ابتسامة صغيرة فيها حزن كنت عايشة في نفس البيت بس مش في نفس الحقيقة اللي إنت كنت شايفها.
سكتت لحظة، وبعدين قالت الجملة اللي وقفت الدم في عروقي إنت ما فقدتنيش إنت كنت مش شايفني.
اتخنقت مستحيل أنا كنت معاكي كل يوم!
ردت بهدوء كنت معايا بالجسم بس مش بالوعي.
الظرف على الكرسي اتحرك لوحده كأنه بينادي.
هي بصت له وقالت جوه ده الإجابة اللي هتوجعك بس هتفهمك كل حاجة.
رجعت بصتلي تاني السؤال الحقيقي مش أنا مين السؤال إنت مين من غيري؟
إيدي قربت من الظرف، وقلبي بينضرب جوا صدري.
لأول مرة
ما كنتش خايف من الحقيقة.
كنت خايف إنها تكون أعمق من قدرتي أستوعبها إيدي لمست الظرف، بس ما فتحتهوش فورًا.
كان تقيل بشكل غريب مش وزن ورق، وزن معنى.
رفعت عيني ليها لو أنا ماكنتش شايفك يبقى كل اللي عشتُه كان إيه؟
هي ما ردّتش بسرعة.
قعدت على طرف المكتب، بهدوء كأنها كانت مستنيا السؤال ده من زمان، وقالت كان حياة بس مش كاملة.
سكتت لحظة، وبعدين كملت زي فيلم بيتعرض بنص شاشة.
فتحت الظرف أخيرًا.
جواه كان فيه ورقة واحدة، ومفتاح صغير تاني.
بس الورقة دي ما كانتش رسالة عاطفية كانت أقرب لتقرير.
مكتوب فيها
حالة الوعي غير مكتملة
المصدر الأساسي للاستقرار وجود هدى
بدونها انهيار إدراكي تدريجي
بصيت لها بسرعة إيه الكلام ده؟! أنا مش مريض!
هي ردت بهدوء مفيش مرض في إعادة تشغيل.
اتسمرت إعادة تشغيل إيه؟!
قامت وقفت قدامي إنت فاكر إنك فقدتني لكن الحقيقة إنك كنت على وشك تفقد نفسك.
قربت خطوة وقالت أنا كنت مرساة.
قلبي دق بسرعة مرساة إزاي يعني؟
رفعت إيديها على صدري بخفة كل مرة كنت بتضيع في شغلك في قسوتك في عزلتك كنت برجعك لنقطة الاتزان.
سكتت لحظة، وبصت في عيني ولما تعبت النظام اللي جواك بدأ يفقد توازنه.
حسّيت إن الأرض بتسحبني تاني، بس المرة دي مش مكان إحساس.
قلت بصوت مكسور يعني إنتي مش شخص؟ إنتي إيه بالظبط؟
هي ابتسمت ابتسامة حزينة أنا الجزء اللي كنت بتتجاهله فيك واتجسّد قدامك علشان تفهمه.
المفتاح التاني اللي في الظرف بدأ يلمع.
والغرفة حواليّا بدأت تهتز بشكل خفيف.
هي بصت للمفتاح وقالت آخر خطوة يا تختار ترجع زي ما كنت، وتنساني للأبد يا تكمل وتبقى نسخة واعية من نفسك بس من غير أوهام.
سكتت لحظة.
وبعدين قالت وأنا مش هكون موجودة في أي اختيار.
الفراغ
إيدي كانت بين المفتاح وبينها المفتاح كان في إيدي، تقيل كأنه بيشدني ناحيته وناحيتها في نفس الوقت.
سكت لحظة، وقلبي بيخبط بعشوائية، كأني واقف على حافة حاجة مش هترجع زي ما كانت.
بصيت لها يعني في كل الأحوال هتختفي؟
هزّت راسها بهدوء مش هختفي أنا هتوقف عن إنّي أكون محتاجة أظهر.
الجملة كانت غريبة لكنها أقرب للحقيقة من أي حاجة سمعتها قبل كده.
المكان حواليّا بدأ يهدى، كأن الاهتزاز اللي كان حاصل بيرجع يتسحب تاني لجوه الأرض.
المفتاح بدأ يضيء أكتر.
والصوت جوايا كان لأول مرة هادي، مش بيصرخ ولا بيهرب.
بس بيسأل سؤال واحد
إنت عايز إيه؟
بصيت للمفتاح وبعدين ليها.
وقلت بصوت واطي أنا مش عايز أرجع زي ما كنت ولا عايز أمشي من غيرك.
هي ابتسمت ابتسامة خفيفة مفيش اختيار بيرضي الاتنين.
سكت.
وقررت.
حطيت المفتاح على الترابيزة بدل ما أستخدمه.
اتسمرت في مكانها إنت عملت إيه؟
قلت بهدوء لأول مرة لو أنا محتاج أكون واعي يبقى لازم أختار بعقلي مش بخوفي.
بصيت في عينيها وأنا اختارتك جزء من الحقيقة مش وهم ومش أداة.
سكت المكان كله.
حتى الضوء.
وبعدين
المفتاح وقع لوحده، واتفتح الظرف بالكامل من غير ما ألمسه.
جواه كانت الصفحة الأخيرة
الوعي الحقيقي لا يُخلق بالاختيار بين طرفين بل بقبول أن الطرفين كانوا جزءًا منك.
رفعت عيني بسرعة
لقيت الغرفة بدأت تتغير.
الجدران اختفت واحدة واحدة والمكتب اتسحب وكل حاجة بقت بياض ناعم.
هي بدأت تبهت.
لكن قبل ما تختفي بالكامل
قربت خطوة وقالت لما تبطل تدور عليّا ككيان هتلاقيني في قراراتك.
وابتسامتها الأخيرة كانت أهدى حاجة شفتها.
وبعدين
اختفت.
بس مش كغياب.
كامتداد.
المكان كله سكن.
والمفتاح في إيدي اتقسم لنور صغير جوه صدري.
ولأول مرة
ما
كنت حاسس إنّي فهمت حاجة البياض اللي كان مالي المكان بدأ يهدى تدريجيًا، كأنه بيرجع يتكوّن من جديد مش بيختفي.
فتحت عيني تاني ولقيت نفسي واقف في نفس الشقة.
نفس المخزن.
نفس الهدوء.
بس كل حاجة كانت أهدى بشكل مختلف هدوء مش فيه فراغ، فيه امتلاء غريب.
المفتاح اللي كان في إيدي ما بقاش مفتاح حديد.
بقى إحساس صغير ثابت في صدري.
قعدت على الأرض ببطء.
بصيت حواليا.
الصندوق كان لسه مفتوح لكن فاضي.
لا ورق، لا صور، لا أي حاجة.
بس على طرفه الداخلي كان فيه جملة محفورة كنت ماخدتش بالي منها قبل كده
اللي بيشوف الحقيقة ما بيرجعش زي ما كان، لكنه بيكمل بشكل أصدق.
ابتسمت من غير ما أحس.
وفجأة
صوت خفيف جا من برّه الشقة.
مفتاح بيتحط في الباب.
وقفت بسرعة.
الباب اتفتح.
ودخلت واحدة من ولادي.
بصتلي باستغراب مالك قاعد في الضلمة ليه؟
سكت لحظة.
وحسّيت إنّي لأول مرة شايفها بوضوح مش بعيني بس، بوعيّي كله.
ابتسمت وقلت مفيش بس كنت بضيع حاجة وبلاقيها.
هي بصّتلي، وضحكت إيه يعني؟
قمت بهدوء وقلت نفسي.
سكتت ثواني.
وبعدين مشيت جوه عادي، كأن مفيش حاجة اتغيرت.
لكن أنا كنت عارف إن كل حاجة اتغيرت.
بقيت أسمع اللي ما كنتش بسمعه.
وأشوف اللي ما كنتش شايفه.
وأختار من غير ما أهرب من نفسي.
وقبل ما أقوم أكمل يومي
بصيت على إيدي فاضيه.
المفتاح ما بقاش موجود.
بس لأول مرة
ما كنتش محتاجه قمت من على الأرض بهدوء، كأنّي بتعلّم أقف من جديد من غير استعجال.
الشقة كانت زي ما هي، بس إحساسي بيها اختلف الحيطان نفسها بقت أبسط، أقل ضغط، كأنها مش شاهدة على صراع جوه دماغي زي الأول.
دخلت المطبخ.
الضوء داخل من الشباك كان عادي، لكن أنا شايفه بشكل مختلف.
فتحت التلاجة وقفت لحظة.
الأكل، الميه، التفاصيل الصغيرة كلها
سمعت صوت في الخلف هتقوم ولا هتقعد كده طول اليوم؟
بصيت.
كان صوتها أو يمكن صدى الصوت اللي اتعودت عليه لدرجة