أصرت أمي أن أذهب إلى بغداد لأن أبوك حساس هذه الأيام. وصلت ومعي قالب كيك من المخبز الذي يحبه أبي. حضرت داليا بعد ساعتين بفستان بيج وحقيبة جديدة. ووصل مازن بالبورشه وهو يرفع صوت المحرك مثل مراهق. فتح أبي الباب، وأول شيء قاله كان كنت أظنكِ ستطلبين كريم. هذه الهوندا القديمة محرجة فعلًا. ضحكت داليا بخفة. وتظاهرت أمي أنها لم تسمع. وضعت الكيك في المطبخ. يحرجك أنني دفعت ثمنها نقدًا أم فقط لأنها لا تحمل شعارًا فخمًا؟ قطب أبي حاجبيه. لا تبدأي بتعليقاتك الغريبة. كان العشاء كالمعتاد. أبي يتحدث عن مشاريع لم تعد موجودة. أمي تعدّل غطاء الطاولة. داليا تتحدث عن رغبتها بتجديد الحديقة. ومازن يتفاخر بجولة استثمار جديدة لشركته، بينما أنا أعرف أنها لم تتم أصلًا. لأن عالم المال أصغر مما يظنون. وكنت قد قرأت التقرير بالفعل. شركته كانت على بعد ثلاثة أسابيع فقط من الانهيار الكامل. ثم ألقت داليا القنبلة. ليان، بما أنك مرتبة مع أرقامك ممكن تسلفينا مبلغ بسيط لتجديد الحديقة؟ رفعت عيني نحوها. مبلغ بسيط؟ تقريبًا مئة ألف دولار. كدت أضحك. لحالة طارئة؟ حتى نرفع قيمة البيت قال زوجها دون أن ينظر إليّ أنتِ لن تفهمي لأنكِ لا تملكين عائلة. ساد الصمت. رفع أبي كأسه. لا تكونين معقدة يا ليان. لهذا السبب وُجدت العائلة. لهذا. للطلب. للعصر. للإهانة وهم يمضغون الطعام. لا قلت. رمشت داليا بدهشة. ماذا؟ لن أعطيكم مئة ألف دولار لتجديد حديقة. شحبت أمي وكأنني أهانت شيئًا مقدسًا. وضرب أبي بأصابعه فوق الطاولة. تعرفين ما مشكلتك؟ تتصرفين وكأنك مهمة بسبب وظيفتك الصغيرة. ابتسم مازن بسخرية. اتركيها يا أبي. أكيد خائفة على مدخراتها الصغيرة. نظرت إليه. مدخرات صغيرة.
الولد نفسه الذي أنقذت تقييمه البنكي ثلاث مرات. ربما قلت بهدوء ربما فقط أعرف كيف أحافظ على مالي. وقف أبي فجأة. نحن لم نربكِ لتكوني أنانية. وشعرت بشيء ينكسر داخلي. لا يا أبي. أنتم ربيتموني حتى أشعر بالذنب كلما قلت لا. وضعت داليا يدها على صدرها. يا للهول دراما جديدة. التفتُّ نحوها. وأنتِ، جربي أن تدفعي شيئًا من مالك مرة واحدة قبل أن تتحدثي عن التعب والعمل. تجمّد الجو بالكامل. همست أمي ليان وأشار أبي نحو الباب. اطلعي برا. خرجت. لا كيك. لا عناق. لا وداع. قدت السيارة عائدة إلى أربيل والمطر يضرب الزجاج، وقلبي متعب أكثر من أن ينكسر. وفي الساعة 1017 ليلًا وصلت الرسالة. إنتِ أنانية يا ليان. بالنسبة إليّ إنتِ ميتة. لا تحاولين التواصل معنا مرة ثانية. لذلك فعلت ما يفعله الموتى عادة توقفت عن إبقاء الآخرين أحياء. 1029 مساءً ألغيت التحويلات. 1041 أوقفت البطاقات الإضافية. 1052 طلبت تعليق الأقساط التلقائية لبيت بغداد. 1103 ألغيت التأمين الصحي الممتاز الخاص بأبي. 1111 أنهيت عقد الإيجار التجاري لمكتب أمي. 1118 أوقفت الدفع التلقائي لمدارس أولاد داليا. 1126 جمّدت أقساط بورشه مازن. ليس انتقامًا. بل نظافة. لأنك لا تستمر بإطعام طاولة لا تترك لك سوى الفتات. في صباح اليوم التالي، الساعة 704، بدأ هاتفي ينفجر بالمكالمات. أمي. ثم داليا. ثم مازن. ثم أرقام مجهولة. لم أرد. سكبت قهوتي، فتحت اللابتوب، وراقبت القلعة وهي تنهار. رسالة داليا هل غيّرتِ شيئًا؟ البطاقة انرفضت بالمدرسة! هذا محرج جدًا يا ليان. مازن أنتِ تجاوزتِ الحدود. البنك يتصل بخصوص البورشه. ما الذي تفعلينه؟ أمي حبيبتي، أبوك تعبان. أصلحي اللي عملتيه. أبي لم
يرسل رسالة. اتصل. اثنتي عشرة مرة. وفي الثالثة عشرة، رددت. ماذا فعلتِ؟ صرخ مباشرة. لا سلام. لا بنيتي. فقط ذلك. ألغيت ما يخصني. ضحك ضحكة قبيحة. ما يخصك؟ لا تتصرفي وكأنك مهمة. حدقت في بخار القهوة. أبي أنت قلت إنني ميتة بالنسبة لك. والموتى لا يدفعون الفواتير. ساد الصمت. سمعت أمي تبكي في الخلفية. وداليا تصرخ بشأن المدرسة. ومازن يقول إنه يجب أن يتحرك بسرعة قبل أن ينهار كل شيء. خفض أبي صوته. اسمعيني يا ليان، لا أعرف أي لعبة صغيرة تحاولين لعبها، لكنك ستصلحين هذا اليوم. لا. ماذا يعني لا؟ يعني لا. تغيّر تنفسه. وظهر الرجل الحقيقي. الرجل الذي كان يبتسم في الاجتماعات ويتحدث عن الشرف، بينما يجعلني أشعر أنني صغيرة منذ طفولتي لأنني لم أكن الابن الذي يريده. اسمعيني جيدًا يا قليلة الأدب أنتِ لا تفهمين ماذا بدأتِ. أفهم جيدًا. لا، أنتِ لا تفهمين شيئًا. سمعت صوت ملفات تُفتح. أوراق كثيرة. تظنين أن مالك يحميك. شعرت ببرودة تسري في ظهري. ماذا تقصد؟ ضحك أبي بهدوء مخيف. أنتِ لست الوحيدة التي تعرف كيف تحرّك الحسابات. وفي تلك اللحظة، وصلتني مكالمة من مدير حسابي البنكي. أغلقت الخط بوجه أبي، ورددت فورًا.
أستاذة ليان، أحتاج منكِ أن تراجعي شيئًا عاجلًا. ماذا حدث؟ عندما حاولنا إلغاء كل العمليات، ظهر ضمان مالي متقاطع تم تسجيله قبل ستة أشهر. تجمّدت. ضمان لأي شيء؟ قرض تجاري باسم شركة الراوي للمقاولات. سقط فنجان القهوة من يدي وتحطم على الأرض. أنا لم أوقع على أي قرض. صمت الرجل. صمت طويل جدًا. أستاذة ليان توقيعك موجود هنا. شعرت أن الدم انسحب من جسدي. فتحت الملف الذي أرسله. كشوفات. عقود. تقارير. تواقيع
مزورة. أرقام كنت قد بدأت أراجعها فعلًا قبل أيام لأن شيئًا لم يكن منطقيًا في إحدى شركاتي. أرسل الملف كاملًا. أرسلته إلى بريدك. وصل الإيميل. فتحته. وهناك كان اسمي الكامل ليان الراوي. رقمي الوطني. تاريخ ميلادي. توقيع مزور باسمي. ونسخة من هويتي الشخصية التي لم أعطها لأحد. لكن الأسوأ لم يكن هذا. الأسوأ كان اسم الضامن الثاني. داليا الراوي. أختي. ملكة البيت. التي طلبت مني مئة ألف دولار لتجديد الحديقة. التي وصفتني بالبخيلة أمام أطفالها. كانت قد وقّعت هي أيضًا. ليس لمساعدتي. بل لاستخدامي. القرض كان بقيمة ثلاثة ملايين ونصف دولار. ومتأخر السداد. ارتجفت يداي لأول مرة تلك الليلة. ثم وصلتني رسالة صوتية من أبي. فتحته. صوته لم يعد غاضبًا. كان خائفًا. ليان لا تفعلي أي شيء متهور. تعالي إلى بغداد. هناك أشياء لا تعرفينها عن داليا وعن مازن وحتى عن نفسك. تخدرت تمامًا. لأنني، قبل أن ينقطع التسجيل بثوانٍ، سمعت أمي تصرخ في الخلفية بجملة مزقت حياتي كلها لا تخبرها أبدًا أنها لم تكن الابنة التي كنا نريد اختيارها!
انقطع التسجيل.
وصارت الشقة هادئة لدرجة أنني استطعت سماع صوت الثلاجة، وضجيج السيارات البعيد في شارع المطار، وحتى صوت أنفاسي المتقطعة.
لم تكن الابنة التي كنا نريد اختيارها.
أعدت تشغيل الرسالة.
ثم مرة أخرى.
ثم مرة ثالثة.
وفي كل مرة، كانت أمي تصرخ بنفس الرعب.
بنفس الخوف.
لا تخبروها.
لا تخبروا الابنة المملة.
لا تخبروا المسؤولة.
لا تخبروا الفتاة الميتة التي ما تزال تدفع ثمن حياة الجميع.
انحنيت ببطء لأجمع قطع الفنجان المكسور.
جرحت إصبعي بطرف حاد.
خرج الدم بسرعة.
أحمر.
حي.
حدقت فيه لثوانٍ.
إذًا أنا من لحم ودم فعلًا يا للمفاجأة.
عاد هاتفي للرنين.
أبي.
لم أرد.
ثم أمي.
ثم داليا.
ثم مازن.
ثم رقم من بغداد.
ثم رقم آخر.
تركت