ابني بلال
اتأخرنا.
وفجأة
الحيطة اللي عليها الصور بدأت تتنفس.
أيوه تتنفس.
الصور كلها بقت تطلع وتدخل كأنها على سطح ميه، ووشي اللي فيهم بدأ يتحرك لوحده يلف ناحيتي ويبصلي.
الصوت من الأوضة اتكرر، بس المرة دي كان أقرب منى افتحي الباب إنتي وعدتي.
مصطفى صرخ وعدتي مين؟!
بلال بصلي بعينين مليانين رعب إنتي وعدتيه زمان.
قفلت ودني بإيدي أنا موعدتش حد!
الطفل رد فجأة بس هو فاكر إنك وعدتي.
ساعتها باب الأوضة اللي جوه اتحرك لوحده ببطء شديد.
كريك
الضلمة اللي جواها بدأت تبان منها ملامح.
مش ملامح شخص واحد.
لا
كانوا ملامحين بيتبدلوا.
مرة طفل مرة شاب مرة ظل ست واقفة.
ووسطهم كان فيه حاجة واحدة ثابتة.
عينين بتبصلي أنا بس.
بلال رجع لورا وقال بصوت مكسور لو الباب اتفتح مش هنعرف نخرج زي ما دخلنا.
مصطفى مسكني وجرني ناحية الباب الحقيقي إحنا هنكسر ونمشي حالًا!
لكن قبل ما نتحرك
الصوت من الأوضة قال آخر جملة، وكانت مختلفة.
مش نداء
تحذير.
لو خرجتي هتسيبيهم هنا لوحدهم زي ما سيبتيهم الأول.
وساعتها الطفل الصغير بصلي وقال بهدوء قاتل
إنتي اللي بدأتي القصة لازم تكمليها الكلمة الأخيرة وقعت زي سكينة في هدوء المكان.
إنتي اللي بدأتي القصة
سكت الطفل، وبعدين كمل بصوت أهدى لازم تكمليها.
أنا رجلي بقت تقيلة كأنها متثبتة في الأرض. مش فاكرة إني بدأت أي حاجة ولا فاكرة أي وعد بس الإحساس اللي جوايا كان بيقول العكس تمامًا فيه حاجة حصلت مني، أنا اللي نسيتها.
بلال فجأة قرب مني وقال بصوت منخفض إوعي تسمعيه هو بيخلّي الذاكرة تكمل نفسها بالعافية.
مصطفى
وفجأة
الصوت من الأوضة التانية سكت.
سكون كامل.
أخطر نوع من السكون.
الطفل همس اتأخرنا هو خرج من هنا.
بلال اتجمد إيه؟
وفي اللحظة دي حسّينا بحاجة غريبة.
مش صوت ولا حركة
حسّينا إن في حد واقف ورا مصطفى.
مصطفى نفسه ما اتحركش، بس صوته طلع متكسر في حد ورايا؟
أنا شفت ظل بيتطول على الحيطة قدامه رغم إن مفيش نور أصلاً.
والظل ده كان بيقلد حركتي أنا.
بلال صرخ ما تبصييش!
لكن كان متأخر.
الظل لف ناحيتي وببطء شديد بدأ يقرب مني أنا.
مش حد حقيقي حاجة أقرب لنسخة ناقصة مني.
وفي نفس اللحظة صوتي أنا طلع من الأوضة تاني، بس المرة دي كان بيضحك أخيرًا رجعتِ تفتكري.
مصطفى لف فجأة، وعيونه فيها رعب ده إنتي اللي بتتكلمي؟!
أنا حاولت أتكلم لكن صوتي ما طلعش.
بلال مسك دراعي وقال بسرعة لو هو خرج يبقى لازم حد فينا يدخل مكانه.
الطفل هز راسه واحد بس يقدر يرجّعه.
بصوا كلهم ناحيتي.
وفي نفس اللحظة الباب بتاع الأوضة التانية اتفتح على آخره.
والضوء اللي جواها طفى تمامًا وبقى في حاجة واقفة على العتبة.
مش ظل.
مش إنسان.
لكن شكل بيتغير كل ثانية.
وهمس بصوتي أنا ادخلي عشان ترجّعي اللي ضاع وقفت عند عتبة الباب، ورجلي كانت كأنها مش بتاعة جسمي.
ادخلي عشان ترجّعي اللي ضاع.
الصوت كان صوتي بس مكسور، كأن حد بيحاول يقلده ومش عارف يكمّله.
مصطفى مسكني من ورا وصرخ لااا! دي فخ!
لكن اللي جوه الأوضة مد إيده.
إيد شبه إيدي بالظبط نفس الطول نفس
بلال بصلي بعينين مليانة ذعر وقال لو دخلتي مش هتخرجي لوحدك.
الطفل فجأة قال بهدوء هي أصلاً دخلت قبل كده.
الكلمة دي خلت جسمي يتجمد.
قبل كده؟
أنا عمري ما دخلت الأوضة دي
ولا حتى شفت البيت ده قبل الليلة دي
بس ليه الإحساس إن في حاجة جوايا بتقول آه دخلتي؟
الظل اللي ورا مصطفى بدأ يتمدد على الأرض، وبقى شبه بيزحف ناحيتي، وكل ما يقرب ملامحي أنا في الظل كانت بتضحك أكتر.
الصوت اللي جوا الأوضة كرر ادخلي وإلا هيفضلوا محبوسين هنا للأبد.
بلال صرخ فجأة هو مش عايزك إنتي هو عايز اللي جواك!
مصطفى بص له يعني إيه؟!
بلال ابتلع ريقه وقال جزء منها موجود هناك من زمان.
في اللحظة دي، الطفل رفع إيده وورّاني حاجة مرسومة على الأرض خط داير، زي دائرة كبيرة مرسومة تحت رجلي من غير ما أحس.
الدائرة دي كانت موجودة من أول ما دخلنا كأننا كنا جوهها طول الوقت.
وفجأة
الصوت سكت تاني.
لكن المرة دي الضحكة بدأت من وراي.
مش من الأوضة.
من ورا ضهري مباشرة.
إنتي رجعتي لوحدك أنا بس كنت مستني اللحظة دي.
لفّيت ببطء شديد
وكان واقف.
نسخة مني.
بس مش زي الظل اللي قبل كده
دي كانت كاملة.
بعيوني بملامحي بسنين عمري اللي ضاعت.
بس ابتسامتها كانت مش بتاعتي.
قالت بهدوء ماما أخيرًا جيتي تكملي الوعد سكتت تمامًا.
ماما
الكلمة نزلت عليّا كأنها مفتاح فتح باب مقفول جوا دماغي من سنين.
بلال رجع خطوة لورا وهمس أهو ده الجزء اللي كان ناقص.
مصطفى صرخ إيه الكلام ده؟ مين دي؟!
النسخة اللي قدامي ابتسمت ابتسامة هادية جدًا هدوء
الطفل فجأة قال بصوت منخفض لو اتنين بقوا كاملين واحد لازم يختفي.
الهواء اتجمد.
الدائرة اللي تحت رجلي بدأت تنور خطوطها بقت بتلمع كأنها بتصحى.
النسخة مني قربت خطوة وقالت إنتي فاكرة إنك سيبتي بلال وخلاص بس إنتي سيبتي حاجة تانية معاه.
بلال سكت وعيونه بدأت تدمع من غير ما ينطق.
مصطفى مسك راسه إحنا داخلين في إيه؟!
الطفل بصلي وقال آخر جملة البيت بيكمل نفسه مش الأشخاص.
وفجأة
كل الصور اللي على الحيطة وقعت مرة واحدة.
صوتها كان زي انفجار صامت.
وفي نفس اللحظة، الباب الحقيقي اتفتح لوحده على آخره.
النسخة مني
مدت إيدي وقالت بهدوء اختاري تفضلي هنا ولا ترجعي اللي اتكسر من زمان.
بلال همس لو اختارتي غلط محدش فينا هيخرج.
أنا بصيت للبيت كله للطفل لبلال لمصطفى
وبعدين بصيت لنفسي التانية.
وخدت نفس عميق
ومديت إيدي.
لكن مش ليها.
مديت إيدي ناحية الدائرة اللي في الأرض وضغطت عليها بكل قوتي.
في ثانية واحدة
كل حاجة سكتت.
النور رجع.
الدائرة اتكسرت.
والنسخة مني صرخت لأول مرة مش بصوتي بصوت حد بيختفي.
إنتي عملتي إيه؟!
بلال وقع على الأرض كأنه اتشال حمل تقيل من عليه فجأة.
مصطفى فتح الباب بسرعة يلااااا!
الطفل ابتسم ابتسامة صغيرة وقال كده البيت مش هيكمل.
وبعدها اختفى زي ما يكون ماكانش موجود.
خرجنا نجري من الشقة كلها ننزل السلم من غير ما نبص ورا.
ولما وصلنا برا
البيت كان عادي.
مفيهوش أي حاجة.
ولا طفل.
ولا صور.
ولا أي دائرة.
لكن في إيدي
كان فيه ورقة صغيرة متسخة.
مكتوب فيها
أنا لسه هنا لما تفكري ترجعي تاني.
وقتها بس فهمت
إن بلال ما كانش مفقود بس
كان الباب مفتوح وأنا اللي قفلته بنفسي من زمان.