حماتي لعبت في التهوية - محمد نور

لمحة نيوز


الكبار اللي قدروا يبصوا لطفل مالوش ذنب، ويعاملوه كأنه فاتورة لازم حد يدفعها.
روحت مع الإسعاف للمستشفى، ودفعت المصاريف العاجلة اللي قدرت أتحملها.
بعدها، الجهات المختصة تولت تقييم وضعه وتحديد مين ممكن يكون مسؤول عنه.
وبعد فحوصات إثبات النسب، اتأكد إنه ابن أحمد.
الطفل ما اختارش أبوه ولا أمه، وماكانش مسؤول عن كدبهم وخيانتهم.
وأنا ماكنتش ناوية أعاقبه على حاجة هو مالوش أي ذنب فيها.
واحدة من الممرضات سألتني إذا كنت بفكر أربيه.
سكت شوية، وبعدها قلت لها
مش عارفة لسه. محتاجة أتأكد إنه هيكون في أمان. دي الحاجة الوحيدة اللي أقدر أوعد بيها دلوقتي.
الطفل اتحسن، وبعد تدخل الجهات المختصة، اتحط مؤقتًا مع أسرة بديلة للرعاية، لحد ما يتحدد مستقبله بشكل نهائي.
طلبت منهم يبلغوني بأخباره، لو كان ده مسموح قانونًا ومن غير ما يضر بمصلحته.
أنا ما بقيتش أمه فجأة، ومساعدتي ليه ما كانتش معناها إن كل اللي حصل اتنسى، أو إني لازم أفرض على نفسي مشاعر لسه بتتكوّن جوايا.
أما شريف، فكان واضح إنه ما اتعلمش أي حاجة.
في الأول، بدأت توصلني رسايل مجهولة
رجّعي حقنا!
بعدها، لقيت كاوتش عربيتي مقطوع، وكتابات مسيئة على سور المصنع.
احتفظت بصور الرسائل، وقدمت بلاغات، وقوّيت إجراءات الأمن بالتعاون مع رائد وفريق الحراسة.
ليلى قدرت تحصل على إجراءات حماية ليا، بينما التحقيقات في التهديدات مستمرة.
وفي ليلة مليانة عواصف، شريف دخل من باب خدمة كان حد كسره.
كنت قاعدة في مكتبي براجع حسابات المخزون، لما سمعت صوت تكسير زجاج، وبعدها سمعت صوته في الممر.
اطلعي يا مريم! وقّعي إنك هتسيبي الشقق، وإلا هتدفعي تمن اللي عملتيه في أختي!
ما خرجتش أواجهه.
شغّلت إنذار الطوارئ الصامت، واتجهت للممر المحمي اللي بيوصل لمنطقة الإنتاج.
كاميرات المراقبة سجلت كل حركة ليه، وهو بيتقدم وېحطم كل حاجة تقابله.
وصلت لأوضة تبريد آمنة، ودخلت وقفلت الباب ورايا، وكان فيه فاصل زجاجي قوي بيني وبينه.
ماقدرش يوصل لي.
فضل يخبط على الزجاج، وأنا بتكلم مع الطوارئ في التليفون.
ولما رجال الأمن وصلوا، كان لسه واقف في مكانه.
قبضوا عليه، وصادروا الأداة اللي كان بېهدد بيها العاملين.
وقبل ما ياخدوه، صړخ في وشي
إنتِ اللي قټلتي سارة!
بصيت له ورديت
أنا ماجبتهاش لفخ معمول لحد تاني. أحمد هو اللي قرر يدخلها المكان ده.
التحقيقات استمرت.
مقاول شهد إنه عدّل نظام التهوية قبل الحاډث بشهور، بناءً على تعليمات أحمد.
والمدفوعات اللي حصل عليها كانت متوافقة مع الملفات اللي اتسترجعت من الكمبيوتر.
تسجيل الكاميرات، ووثيقة التأمين المزوّرة، والرسائل، كلها ساعدت في إعادة بناء الخطة سحب فلوس الشركة، وضمان الحصول على قيمة التأمين بعد مۏتي، وتصوير الچريمة على إنها حاډث في مكان العمل.
أما نوال، فالقاضي أمر بإجراء التقييمات الطبية اللازمة، واستمرت إجراءات الرعاية والرقابة المناسبة لحالتها الصحية والتحقيقات الجارية.
ماحسيتش بالانتصار لما عرفت إنها بتسأل كل يوم عن أحمد، وبعدها تنسى الإجابة.
هي كانت عايزة مۏتي، لكن اڼهيارها ما رجعليش السنين اللي ضاعت.
استعادة أموال الشركة أخدت وقت أطول بكتير من اللي الناس بتتخيله.
جزء من الفلوس رجع للشركة عن طريق تسويات وأحكام قانونية، لكن ممتلكات تانية فضلت محل ڼزاع.
اضطريت أستغنى عن مديرين اتورطوا في المخالفات، وأعيد التفاوض على القروض.
وفي شهور كتير، كنت برجع البيت من الشغل وأنهار من التعب.
النجاة من المۏت ماكانتش معناها إني بقيت بخير.
في يوم، جرحت صباعي چرح بسيط بورقة، وافتكرت إزاي أحمد كان بيجري يجيب لي لزقة چروح،

ويقولي إني لازم أخلي بالي من نفسي.
اڼفجرت في العياط بسبب ذكرى صغيرة بالشكل ده.
فهمت إن الإنسان ممكن يشتاق لشخص ماكانش موجود أصلًا بالصورة اللي رسمها في خياله.
عيطت على سذاجتي، وعلى مريم اللي كانت فاكرة إن السيطرة عليها نوع من الحب.
ولما قدرت أهدى، أخدت قرار.
مش هرجع أبني البيت القديم من جديد.
قررت أستثمر في إحياء مزرعة عنب قديمة في منطقة قريبة من المنيا، أرضها كانت محتاجة رعاية وصبر.
سيبت الإدارة اليومية للمزرعة في الإسكندرية لفريق موثوق فيه، وسافرت علشان أشتغل مع مهندسين زراعيين وخبراء تصنيع ومزارعين من المنطقة.
كنت عايزة أنتج مشروب طبيعي يحمل اسمي ومجهودي، ويكون نتيجة شغلي أنا، مش جزء من حياة اتبنت على الخداع.
في أول سنة، موجة برد شديدة أفسدت جزءًا من المحصول.
لكن الأرض ما كانتش بتكدب؛ لو عطشانة، بتقول، ولو محتاجة رعاية، بتظهر عليها العلامات.
اتعلمت أثق من جديد، لكن المرة دي كنت بسأل وبراجع قبل ما أصدق.
وفي الوقت نفسه، عايدة حاولت تعمل حملة على مواقع التواصل، تتهمني فيها إني رميت عيلة فقيرة في الشارع.
نشرت صورة قديمة للطفل علشان تكسب تعاطف الناس، من غير ما تراعي خصوصيته أو حقه في الحماية.
محاميتي طلبت اتخاذ إجراءات لحماية بياناته، وإحنا نشرنا المستندات الرسمية المسموح بنشرها بس، من غير ما نكشف أي معلومات شخصية عنه.
البلاغات والتقارير المالية والقرارات القانونية كشفت حقيقة الاټهامات.
وأنا ما رديتش على الشتائم.
بعد تلات سنين، حصل نبيذ العنب الأحمر اللي أنتجناه في المزرعة الجديدة على جائزة مهمة في مسابقة وطنية للمشروبات المصرية.
ولما أعلنوا اسمي، افتكرت أبويا وهو بيعلمني أميّز ريحة الأرض بعد المطر.
وافتكرت الليلة اللي كنت فيها قدام شاشة المراقبة، واكتشفت إن أقرب الناس ليا عايزين يدفنوني تحت القبو.
طلعت على المسرح من غير مجوهرات لافتة، ومن غير خطاب مجهز.
وقلت
المنتج ده اتعمل من أرض ناس كتير كانت فاكرة إنها استنفدت كل اللي عندها. الأرض ما كانتش محتاجة كلام حلو علشان ترجع. كانت محتاجة شغل ومياه ووقت واحترام. وأعتقد إن البشر كمان بيحتاجوا نفس الحاجات.
الناس صفقت.
نزلت من على المسرح وأنا شايلة الجائزة، لكن الليلة دي ما احتفلتش بمشروبات غالية ولا بحفلات كبيرة.
رجعت للمزرعة مع أول ضوء للنهار، ومشيت بين صفوف العنب، وأنا حاسة بثبات الأرض تحت رجلي.
كنت استعدت شغلي، لكن مش كل السنين اللي ضاعت.
أخدت حقي بالقانون، لكن ما لقيتش إجابة تفسر كل القسۏة اللي شفتها.
واكتشفت إني أقدر أساعد ابن الناس اللي خانوني، من غير ما أحكم على نفسي إني أعيش طول عمري مربوطة بيهم.
وقفت أبص لضي الشمس وهي بتظهر بين صفوف العنب.
ما رجعتش المرأة اللي كنتها زمان.
أنا بقيت امرأة عرفت إن الحياة والكرامة والحق في الرفض أهم من أي علاقة، مهما كانت قريبة.
وإن الډم مش ضمان للحب، وإن التسامح، لو جه يوم، مش معناه أرجع للمكان اللي حاولوا يدمّروني فيه.
فضلت أبص للكروم الجديدة، وأنا عارفة إن فيه حاجة واحدة مش هتتغير أبدًا
مش هسلّم مفاتيح حياتي تاني لأي حد يطلب مني أغمض عيني وأصدّقه من غير ما أسأل.

 

تم نسخ الرابط