الشباك مش بتاعى

لمحة نيوز

وأنا في شغلي، جالي اتصال من إدارة الكومبوند...
في البداية افتكرت إنهم بيتصلوا بخصوص حاجة عادية، يمكن قسط متأخر أو ورق خاص بالشقة.
لكن أول ما رديت، سمعت صوت مدير الإدارة بيقول بعصبية
أستاذة مريم؟ لازم ترجعي الكومبوند فورًا.
استغربت نبرته.
في إيه يا أستاذ سامح؟
في مصېبة حصلت!
سكت لحظة، وبعدين قال
شباك شقتك وقع من فوق!
رمشت كذا مرة وأنا مش فاهمة.
شباك إيه؟
شباك شقتك! وقع من الدور الأخير ونزل على العربيات اللي تحت!
اتعدلت في قعدتي.
طب حصلت إصابات؟
لأ، الحمد لله مفيش حد اټصاب.
وبعدين صوته اتغير، وبقى أكثر حدة
بس تمن عربيات فارهة اتبهدلوا بسبب الشباك.
وأنا عايزك ترجعي حالًا عشان نحل الموضوع.
سألته
يعني إيه نحل الموضوع؟
سكت ثانيتين.
وبعدين قال الجملة اللي خلتني أحس إن فيه حاجة غلط.
أصحاب العربيات طالبين منك تعويض.
تعويض كام؟
رد من غير تردد
تسعة مليون جنيه.
افتكرت للحظة إني سمعت الرقم غلط.
كام؟
تسعة مليون جنيه.
سندت ضهري على الكرسي، وبصيت قدامي.
وبعدين ضحكت.
مش عشان المبلغ قليل...
بالعكس.
المبلغ كان كبير لدرجة تخلي أي حد يسمعه يدخل في صدمة.
لكن اللي ضحكني إنهم طالبوني أنا بالمبلغ ده بسبب شباك...
مش موجود أصلًا.
قلت بهدوء
أستاذ سامح، حضرتك متأكد إن الشباك ده وقع من شقتي؟
رد بعصبية
أيوه متأكد!
الناس كلها شافته!
والشباك وقع من الدور الأخير، وشقتك هي آخر شقة في العمارة!
قلت
تمام.
بس عندي سؤال بسيط.
اتفضلي.
الشباك كان راكب فين بالظبط؟
سكت.
قلت
يعني في أي أوضة؟
ولا في البلكونة؟
ولا في أي ناحية من الشقة؟
بدأ يتوتر.
هو... يعني... الشباك وقع من ناحية الواجهة.
قلت
تمام.
والواجهة دي فيها شباك من الأساس؟
سكت مرة تانية.
المرة دي سكوته كان أطول.
أنا قفلت عيني للحظة.
لأن الإجابة كانت واضحة جدًا.
أنا شاري الشقة دي من تلات سنين.
الشقة بنتها الشركة على إنها بنتهاوس فاخر، لكن أنا لسه ما بدأتش التشطيب.
يعني الشقة من يوم ما استلمتها لحد دلوقتي...
شقة على الطوب والأسمنت.
مفيهاش أثاث.
مفيهاش أجهزة.
مفيهاش كهرباء كاملة.
وحتى الأبواب الداخلية لسه ما اتركبتش.
أما الشبابيك؟
ولا شباك واحد.
الشركة كانت سايبة فتحات الشبابيك مفتوحة لحد ما أبدأ التشطيب وأركب الشبابيك اللي أنا عايزاها.
فإزاي...
إزاي شباك من شقتي وقع على تمن عربيات؟
قلت له
أستاذ سامح، أنا مش في المدينة دلوقتي.
أنا في شغل في محافظة تانية.
وهراجع الكومبوند أول ما أرجع.
لكن بدل ما يهدى، لقيته بيزعق أكتر
يعني إيه تراجعي لما ترجعي؟!
الناس واقفة هنا ومستنية!
وكل دقيقة بتعدي بتزود المشكلة!
قلت
وأنا مش هقدر أدفع تسعة مليون جنيه لمجرد إن حضرتك بتقول إن الشباك بتاعي وقع.
رد بسرعة
ده مش كلامي لوحدي!
في عشرات السكان شافوا الشباك وهو واقع!
وأصحاب العربيات عندهم شهود!
وفيه صور وفيديوهات للحاډثة!
قلت
ممتاز.
ابعتهم لي.
سكت.
وبعدين قال
لما ترجعي.
ابتسمت.
لأ، ابعتهم دلوقتي.
طالما فيه فيديو وصور، يبقى الموضوع بسيط.
أشوف الشباك وهو واقع وأشوف مكانه قبل ما يقع.
بدأ يتلعثم
الموضوع مش محتاج كل ده يا أستاذة مريم.
بالعكس، محتاج.
لأن حضرتك بتطالبني بتسعة مليون جنيه.
والمبلغ ده مش هيتدفع لمجرد إن حد قال لي الشباك بتاعك وقع.
في اللحظة دي، سمعت صوت شخص تاني في الخلفية.
صوت راجل شاب.
كان واضح جدًا إنه بيتكلم بعصبية.
هات الموبايل!
مدير الإدارة قال
حاضر يا أستاذ.
وبعدها سمعت صوت الراجل
إنتِ مريم؟
أيوه.
قال بمنتهى الثقة
أنا صاحب عربية من العربيات اللي اتكسرت.
وأنا مش جاي أجادلك في حاجة.
العربية بتاعتي لوحدها تمنها أكتر من كذا مليون.
والعربيات التانية نفس الكلام.
إجمالي الخسائر تسعة مليون جنيه.
سألته
وإنت عايز مني

إيه؟
ضحك بسخرية.
عايزك تدفعي.
ببساطة.
قلت
على أساس إيه؟
على أساس إن الشباك وقع من بيتك.
قلت
وإنت شفت الشباك وهو بيقع من بيتي؟
رد فورًا
أيوه.
بنفسك؟
سكت لحظة.
وبعدين قال
فيه ناس كتير شافته.
مش مهم أنا شفته ولا لأ.
المهم إن كل الأدلة ضدك.
ابتسمت.
الأدلة؟
أيوه.
عندك صور؟
فيديو؟
تقرير فني؟
محضر؟
أي حاجة تثبت إن الشباك كان تابع لشقتي؟
سكت.
واضح إنه ما كانش متوقع مني الأسئلة دي.
لكنه رجع لنبرته المتعالية وقال
بصي، أنا مش فاضي للجدال ده.
قدامك حل واحد.
تدفعي الفلوس ونقفل الموضوع.
ولو مدفعتِيش؟
قلت
إيه؟
ضحك.
هتعرفي.
وبعدين قال جملة غريبة
عندي معارف في الشرطة، ومش هيبقى صعب أوي نخليكي تقضي كام سنة ورا القضبان.
سكت.
المفروض إن أي واحدة تسمع ټهديد زي ده تخاف.
لكن أنا؟
كنت حاسة بحاجة تانية.
كنت حاسة إنهم مستعجلين جدًا.
مستعجلين لدرجة إنهم حتى ما استنوش الشرطة تحقق.
ولا استنوا تقرير فني.
ولا استنوا أي جهة تحدد المسؤول.
هم بالفعل حكموا.
وأصدروا الحكم.
وحددوا المبلغ.
والأغرب...
إنهم عايزين الفلوس دلوقتي.
قلت له
تمام.
أنا مستنياك.
سألني باستغراب
مستنياني فين؟
قلت
في المحكمة.
وسكت لحظة.
وبعدين كملت
أو في النيابة.
أو حتى عند الشرطة، زي ما حضرتك بتحب.
اختار المكان اللي يناسبك.
وقبل ما يرد، قفلت المكالمة.
حطيت الموبايل على المكتب.
لكن بدل ما أرجع لشغلي، فضلت أبص للشاشة.
الموضوع مش طبيعي.
أبدًا.
لو كانت حاډثة فعلًا، كان الطبيعي إن إدارة الكومبوند تتصل بيا وتقول حصل حاډث، ونشوف المسؤول مين.
لكن إنهم يتصلوا بيا من أول دقيقة ويقولوا
إنتِ هتدفعي تسعة مليون.
وبعدين واحد غريب يهددني بالحبس...
يبقى الموضوع أكبر من مجرد شباك وقع.
فتحت سجل المكالمات.
ولحسن حظي...
كان تسجيل المكالمات شغال.
كل كلمة اتقالت كانت متسجلة.
حفظت التسجيل في أكتر من مكان.
وبعدين اتصلت بصاحبتي ندى.
ندى كانت محامية.
ومش أي محامية.
كانت متخصصة في القضايا الجنائية والاقتصادية، ومعروفة إنها ما بتسيبش تفصيلة صغيرة تعدي.
أول ما ردت، قلت
ندى، محتاجة أشوفك.
في إيه؟
عندي قضية تسعة مليون جنيه.
سكتت لحظة.
إنتِ بتتكلمي جد؟
جدًا.
حكيت لها اللي حصل.
في البداية ضحكت.
لكن لما قلت لها إن الشقة أصلًا مفيهاش شبابيك، صوتها اتغير.
استني.
إنتِ بتقولي إن الشقة مفيهاش شبابيك؟
أيوه.
يعني حتى إطارات الشبابيك مش موجودة؟
ولا إطار واحد.
سكتت.
وبعدين قالت
مريم، متتحركيش خطوة واحدة قبل ما أوصل.
ابعتيلي تسجيل المكالمة.
وصوري لي كل أوراق الشقة والعقد ومحضر الاستلام.
ولو عندك أي صور قديمة للشقة وهي على الطوب، ابعتيها لي.
قلت
حاضر.
وبعدين سألتها
إنتِ شايفة إيه؟
ردت بعد لحظة
شايفة إن فيه حد بيحاول يحط حاډثة متعمدة فوق دماغك.
ولازم نعرف مين.
قفلت المكالمة.
وفي نفس اللحظة، جالي إشعار على موبايلي.
رسالة من رقم مجهول.
فتحتها.
كانت عبارة عن صورة.
صورة للعربيات اللي اتكسرت قدام العمارة.
تمن عربيات فارهة مصطفين تحت المبنى.
والزجاج محطم في كل مكان.
وفي منتصف الصورة...
كان فيه شباك ضخم واقع على الأرض.
قربت الصورة.
وبصيت للشباك.
وبعدين كبرت الصورة أكتر.
وفجأة...
اتجمدت مكاني.
لأن على طرف إطار الشباك كان فيه شيء واضح جدًا.
شيء أنا متأكدة مية في المية إنه...
مستحيل يكون موجود في شقتي.
الجزء الثاني الشباك مش بتاعي
فضلت ماسكة الموبايل وببص للصورة.
في الأول افتكرت إني يمكن شايفة حاجة غلط.
كبرت الصورة مرة تانية.
وبعدين مرة تالتة.
إطار الشباك كان متكسر، والزجاج متناثر حوالينه، لكن في الجزء السفلي من الإطار كان فيه شريط معدني صغير.
شريط لونه فضي.
وعليه علامة محفورة.
أنا أعرف العلامة دي كويس.
لأنها كانت علامة شركة المقاولات اللي بنت العمارة.
لكن المشكلة مش هنا.
المشكلة إن العلامة دي كانت محفورة على الإطارات الأصلية اللي الشركة ركبتها في الشقق الجاهزة.
أما شقتي أنا؟
ما كانش فيها أي إطار أصلًا.
قعدت أبص للصورة وأنا حاسة إن كل حاجة بدأت تركب في دماغي.
اتصلت

بندى تاني.
ردت بسرعة
لقيتي حاجة؟
قلت
أيوه.
إيه؟
الشباك اللي وقع مش بتاعي.
سكتت.
متأكدة؟
مية في المية.
ليه؟
بعتلها الصورة.
وبعد أقل من دقيقة، ردت
مريم، إنتِ متأكدة إن الصورة أصلية؟
أيوه.
طب استني، متعمليش أي حاجة.
أنا جاية عندك.
قلت
أنا أصلاً راجعة النهارده.
أول ما أوصل هروح الكومبوند.
قالت بجدية
لأ.
متروحيش لوحدك.
استنيني.
أنا هقابلك هناك.
وافقت.
قفلت معاها.
وبعدين فتحت ملف الشقة على اللابتوب.
أنا من النوع اللي بيحتفظ بكل ورقة.
عقد الشراء.
محضر الاستلام.
رسومات الوحدة.
تقارير المعاينة.
حتى الصور اللي كنت مصوراها يوم استلمت الشقة.
فتحت الصور القديمة.
الصورة الأولى كانت من الصالة.
حيطان خرسانة.
أرضية أسمنت.
وفي الخلف...
فتحة شباك ضخمة.
من غير أي إطار.
الصورة التانية من غرفة النوم.
نفس الكلام.
فتحة في الحائط.
ولا شباك.
الصورة التالتة كانت أوضح.
أنا واقفة قدام الواجهة الخارجية، وفي الخلف باين إن كل الشقق اللي تحت مركب فيها شبابيك بالفعل.
أما شقتي في آخر دور، فكانت الواجهة مفتوحة.
لأنها كانت لسه
 

تم نسخ الرابط