جحود ابني حكايات زهرة

لمحة نيوز

 

وإنه مستحيل يخلف! وأنا العبيطة الهبلة، خبيت عن أهلي وعن أمه وعن الدنيا كلها، وقلت بلاش أكسر راجلي قدام الناس، بلاش أخليه يوطي رأسه.. وكنت بقول معلش، ربنا هو الرزاق ونعيش لبعض.. بس يلا، أهو ربك بالمرصاد، وجاي يوريني خيري اللي أثمر في شوك!".

العروسة الجديدة اتصدمت، مسكت في إيد هاشم وهي بتبصله بذهول وصراخ: "إيه الكلام ده؟! الكلام ده حقيقي ولا البت دي غيرانة مننا؟ انطق يا هاشم؟!".

سكت مقدرش ينطق حرف، والعروسة شخطت فيه: "انت ازاي تخبي عليا حاجة زي دي؟! انت ضحكت عليا وعلى أهلي؟!".

المكان اتكهرب، الناس بدأت تتوشوش وتتهامس، والهمهمات كترت.. المعازيم اللي كانوا جايين يجاملوا وشوشهم بقت كلها ذهول وقرف، والجيران طلعوا في البلكونات يتهامسوا ويشاوروا عليه. هاشم حس بالدم بيغلي في دماغه، الفضيحة كانت أكبر من إن عقله يستوعبها، والكسوف والإحراج أكلوا قلبه.. بص لنبيلة بعيون زي الدم، ومن شدة غضبه وكسوفه اللي طيروا عقله، هجم عليها ومسك في رقبتها بكل قوته وهو بيصرخ بهستيرية: "انتي جاية تفضحيني يا بت الكلب؟! أنا هقتلك النهارده! والله ما أنتي طالعة من هنا عايشة!".

نبيلة كانت بتتخنق، وشها بدأ يحمر ونفسها يقطع، بس قبل ما هاشم يكمل، كان أخويا محمود — أبوها — نازل فيه بضربة قلم طيرت دماغه، ودقنه اتملت دم، ودفعه على الأرض بعنف وهو بيصرخ بصوت زلزل الشارع كله: "سيبها يا واطي! الكلب ده هو اللي رباك ولحّقك لحد ما بقيت شحط وطولت لسانك عليه! بقى ده رد الجميل يا ابن الكلب؟!".

هاشم وقع على الأرض، هدومه اتوسخت في الطين، وكان بيحاول يقوم وهو مش قادر يرفع عينيه في حد. نبيلة حطت إيدها على رقبتها، تتنفس بصعوبة وتكح، بس كان على وشها ابتسامة شماتة ونصر مفيش زيها.. بصت له وهو مرمي تحت رجليها وقالت له بصوت مسموع للكل: "سيبه يا بابا.. سيبه يتمرمغ في الطين اللي شبهه! اللي بيراعي العيش والملح والأصول دول الرجالة وبس.. إنما ده؟ زي ما قلتلكم كلكم دلوقتي، ده مش راجل.. وبشهادة الدكاترة والأوراق الموثقة اللي معايا في شنطتي والتقرير اللي ختمه الاستشاري!".

مسكت إيد أبوها بكل كبرياء، وبصت له وقالت: "يلا يا بابا.. يلا نغسل إيدينا من المزبلة دي".

أخويا محمود بص لابني بنظرة قرف، وخد بنته تحت باطه ومشوا بكل كبرياء وثبات، وسط احترام الناس اللي وسعت لهم السكة ودعت لنبيلة بالستر والتعويض.

أما الصدمة الثانية، فكانت من أهل العروسة الجديدة! أول ما محمود ونبيلة مشوا، أبو العروسة وإخواتها الكبار هجموا على هاشم، مسكوه وهات يا ضرب وزعيق: "تعالى هنا يا روح أمك! تكلمنا هنا وتفهّمنا! ازاي تخبي علينا حاجة زي دي وتغشنا؟! انت فاكر بنات الناس لعبة في إيدك عشان تعالج بيها نقصك وتداري خيبتك يا وسخ؟!".

هاشم كان بياكل الضرب وبيحاول يهديهم ويحمي وشه، صوته بقى متقطع ووشه اتملى كدمات ودم، والفرح القذر اللي عمله يذل بيه بنت خاله اتحول في لحظة لساحة فضيحة! العروسة الجديدة صرخت في وشه ورمت شبكتها وطرحتها الأبيض في الطين وداست عليها برجليها وهي بتلعن اليوم اللي عرفته فيه، وأهلها لموا حاجتهم والفرشة اللي جابوها ونزلوا فيه شتيمة وتهديد بالقضا والتأديب والشرطة.

الشارع كله اتملى بالدوشة، والناس اللي كانت جاية تطبل وترقص بقت تبص له بنظرات استحقار، حتى أصحابه المقربين انسحبوا واحد ورا الثاني من كتر الخجل ومشوا وسابوه.

في وسط الزحمة والضرب والشرشحة، هاشم اتملى دم ونوم على الأرض، بص بين الناس يدور عليا.. بص لي بقلة حيلة واستنجاد، عينيه كانت بتقولي: "الحقيني يا أمي.. قولي حاجة.. أقفِي معايا ده أنا ابنك!".

أنا كنت واقفة مش قادرة أتحرك، ركبي بتترعش وقلبي المكسور عاجز عن الشفقة عليه. بصيت له ودموعي نازلة بحسرة وألم.. دموع مش على الضرب اللي بياكله، لكن دموع على الولد اللي ربيته بتعبي وشقايا وطلع عاق، على القسوة والندالة اللي جرت في دمه، على أخويا اللي كسرته وخجلت منه بعد كل اللي عمله معانا..

هاشم مد إيده لي وهو بيبكي بقلة حيلة: "يا أمي.. الحقيني يا أمي، قولي حاجة يهدوا.. أنا ابنك يا أمي!".

دورت وشي عنه بكسرة نفس ومسحت دموعي بطرفة شالي، وما ردتش عليه بكلمة واحدة. نزلت دموعي على خدي حامية زي النار، ومشيت أجر خطايا بالعافية.. سبته محتاس ومضروب ومفضوح في طين عمله، ومشيت ورا أخويا محمود.. أخويا اللي ياما وقف جنبي، اللي خصم من قوت عياله ولقمة عيشهم عشان يسندني أنا وابني، والنهارده ابني رد له الدين بسكينة مسمومة في ظهره.

وصلت لعند أخويا وبنته في أول الشارع، طبطبت على ظهر نبيلة وبوست رأسها وأنا بكاد أتنفس من الخجل، وأخويا محمود حط إيده في إيدي وقالي بصوت مجروح بس رحيم: "تعالي يا بهية.. أنتي أختي وهتفضلي في عيني، والندل ده حسابه عند ربنا".

جرّيت رجلي بالعافية ورا أخويا وبنته، وأنا بدعي في سري إن ربنا يسامحني على الكذبة وعلى قلة الحيلة.. وأنا عارفة إن ابني خلاص، خسر كل حاجة في لحظة كبر وغرور.. خسر رجولته قدام الناس، وخسر هيبته وشرفه، وخسر أمه وأهله وناسه، وربنا جاب حق المظلوم في نفس اللحظة ونفس المكان!

سبته مرمي في الشارع زي الكلب الضال، وأصوات الناس بتلعن فيه وفي أفعاله، والشارع كله بقى بيتكلم عن "العريس" اللي افتكر إنه بيذل بنت أصول، فربنا ذله وفضحه قدام الخلائق كلها وخلاه عبرة للي مبيراعيش ربنا في بنات الناس!

بعد شهور بقى ابني يتوسلي أرجعله مراته بعد ما خسر كل حاجة، بس أبوها رفض ترجع وهي كمان رفضت.. وأنا محاولتش أقنعهم، أنا نفسي مش عايزاها ترجع، بقيت حاسة إنها هي بنتي اللي اتهانت.. بنتي اللي تستاهل حد أنضف وأحسن بكتير، وأنا متأكدة إن ربنا هيعوضها عن كل التعب، وبدعي يغفرلي لأني كنت سبب رئيسي في كل اللي حصلها من الأول.

تم نسخ الرابط