جحود ابني حكايات زهرة
ابني متجوز بنت أخويا، واختلف معاها وطردها برة البيت. ولما اتحايلت على أخويا ورجعتها، اتصدمنا بابني بيتجوز واحدة تانية في شقتها عشان يذلها! أنا وأخويا كنا هنقع من طولنا، بس العجيب كان رد فعل مراته؛ وقتها عملت حاجة ما حدش اتوقعها خلت ابني يتمنى الأرض تنشق وتبلعه!
من يوم ما جوزي مات وسابني في الدنيا بطولي مع ابنه هاشم اللي مكملش عشر سنين، وإخوات جوزي قفلوا الأبواب في وشنا، وقالوا أبوه ملوش ورث عندنا وملناش دعوة بيكوا. ساعتها الدنيا دي كلها ملقتش فيها غير إيد واحدة اتمدتلي: إيد أخويا الكبير محمود.. سندي وستري بعد ربنا.
كان هو الأب والعم والأخ، يخصم من قوت عياله ويديني عشان أعلّم ابني وألبسه، وما يحسش إنه أقل من حد. كان يشيل معايا اللقمة والهم، ويقولي: "طول ما أنا حي يا بهية، أنتي وابنك في رقبتي".
ولما الولد كبر وبقى راجل، قلت في نفسي ده الوقت اللي أرد فيه جزء بسيط من جميل أخويا اللي فضله فوق رأسي. اقترحت عليه يتجوز نبيلة بنت أخويا؛ بنت أصول، متربية على إيدي، جميلة ومتعلمة ومش هنلاقي في الدنيا دي كلها أحسن منها.
هاشم في الأول قعد يتحجج ويرفض، بس أنا فضلت وراه وأقنع فيه لحد ما وافق، وعملنا فرح يفرح القلوب. والله شاهد عليا، البنت دي دخلت بيتنا كانت زي البلسم. ورغم إنهم اتجوزوا في شقة بعيدة عني، إلا إنها كانت شايلاني على رأسها؛ لو عملت أكلة حلوة تبعتلي منها، وتجيلي تزورني وتسأل عليا وكأنها بنتي اللي ما خلفتهاش، وحبها في قلبي زاد وعلاقتي بأخويا بقت أقوى وأمتن.
بس الحلو ما يكملش.. ابني كان دايماً يخلق المشاكل من الهوا، ويتخانق معاها على أقل حاجة وهي تحاول تعيش وتعديله، لحد ما في يوم الصبح بدري، اتفاجأت بأخويا بيكلمني وصوته مكتوم من الزعل، بيقولي إن ابني طرد بنته في الشارع في نصاص الليالي! اتصدمت ورحتله جري، وهناك عرفت المصيبة.. البنت قفشته بيكلم واحدة تانية في التليفون، ولما واجهته، بدل ما يستحي، طردها برة بيته! أنا ساعتها أرض الله ما شالتنيش من الخجل من أخويا.
اعتذرتله وأنا دمعتي على خدي، ورجعت لابني أكلمه وأعاتبه، لكنه رد ببرود وقالي: "دي بنت نكدية يا ماما، بتعمل من الحبة قبة!". ولما واجهته بكلامه مع الستات، نفخ وقال: "يووووه! هو احنا مش هنخلص؟ أنا أعمل اللي يعجبني، وانتي المفروض أمي أنا، مش أمها هي عشان طول الوقت تدافعي عنها كده!".
ومرت الأيام، وأنا كل يوم أتحايل عليه، وأترجاه يلم بنت خاله ويرجعها بيتها، لحد ما مع كتر الضغط والمحايلة قال لي: "خلاص يا أمي، روحي هاتيها وأنا أوعدك هعاملها أحسن معاملة". جريت على أخويا وأنا طايرة من الفرحة، قعدت أتحايل عليه وأوعده بألف وعد إن الولد اتغير وندم.
أخويا بصلي بأسى وقال: "يا بهية يا اختي، لو كلامك ده صح، كان جه بنفسه ياخد مراته". كدبت عليه عشان أداري على خيبة ابني وأرضيه، وقلتله: "والله كان عايز يجي بنفسه، بس الشغل وراه كتير". أخويا اتنهد وقال: "أنا هاخد بنتي على إيدي وأروح معاكي، لو لقيت ابنك فعلاً اتغير وه يصونها هسيبهاله، ولو حسيت إنه زي ما هو، هاخد بنتي وأرجع. ولولا خاطرك أنتي يا بهية، ما كنت وافقت أبداً".
ومشينا.. وعلى الطريق كلمت ابني قلتله احنا في السكة وقربنا نوصل، قال بصوت جاف: "مستنيكم".
أول ما حطينا رجلنا عند الشقة، سمعنا هيصة.. وصوت مزمار بلدي والستات بتبخ زغاريد! اتسمرنا مكانا لما شفنا المصيبة..
ابني واقف عند الباب، وفي إيده عروسة تانية لابسة فستان أبيض، بيضحك معاها وبيهزر قدام الناس كلها! أنا ركبي مشالتنيش، وكنت هقع من طولي، وأخويا اتصدم صدمة عمره، وبص لابني بذهول كأنه مش مصدق إن ده الولد اللي رباه وسنده. أما نبيلة مراته، فكانت واقفة بصاله بذهول، عينها فيها ألف سؤال وسؤال، مش مستوعبة إنه قصد يذلها كده وهي ماذتهوش ولا مرة.
ابني بقى أول ما شافنا واقفين، ابتسم ونده على بتاع المزمار بصوت عالي وقال بشماتة: "سمعني سلام.. تروح حشرة يجي غيرها عشرة!".
أنا لطمت على وشي من الفضيحة والخجل، وأخويا اتعفرت وعنيه احمرت ولسه هيتقدم خطوة عشان يضربه وياخد حق بنته، بس نبيلة مسكت إيده ومنعته، وقربت خطوتين بثبات غريب من هاشم ابني اللي واقف بيبص لها بتحدي وشماتة. واللي قالته وقتها خلى المكان كله في حالة صدمة، وابني من شدة الذهول زق إيد عروسته، وكان هيفقد وعيه من المفاجأة وبيتمنى الأرض تنشق وتبلعه!
وقفت نبيلة في نص الصالة، وسط الزغاريد اللي اتكتمت مرة واحدة والمزمار اللي سكت زي ما يكون صاحبه اتخرس. كان الهدوء اللي نزل على المكان يخوف، هدوء يسبق العاصفة.. عينيها كانت ثابتة، لا دمعة نزلت من عينها ولا جسمها اترعش، بل بالعكس، كان في وشها ثبات مرعب خلى هاشم يتردد ثانية، بس رجع نفخ صدره وابتسم ابتسامة سخيفة عشان يداري توتره.
قربت منه خطوتين، خطوات موزونة وثقيلة، لحد ما بقت واقفة قدامه بالظبط، بينه وبين العروسة الجديدة اللي كانت واقفة مش فاهمة حاجة وبتبص للموقف بذهول. نبيلة بصت له من فوق لتحت بقلة قيمة، وبعدين دارت بعينها على المعازيم والمنطقة كلها اللي كانت واقفة تتفرج، وراحت باصة للعروسة الجديدة وقالت بصوت عالي رنان يسمعه الأطرش: "ألف مبروك يا عروسة.. مبروك عليكي الراجل! بس يا ترى قبل ما تلبسي الأبيض وتفرحي بيه، قالك على سرنا اللي عرفناه عند الدكتور؟ ولا خبا عليكي زي ما خبا على الدنيا كلها؟".
هاشم ألوان وشه اتغيرت في لحظة، الابتسامة الشامتة اختفت واتحولت لصفار زي الميتين، عينيه اتوسعت برعب ونفض إيد عروسته وقال بصوت متلجلج ومكتوم: "أنتي.. أنتي بتقولي إيه يا بت أنتي؟ أنتي اتجننتي؟!".
نبيلة ابتسمت ابتسامة وجع مخلطة بتهكم، وبصت للعروسة تاني وقالت بكل برود: "بقولها الحقيقة اللي أنا عشت أداري عليها سنة كاملة وأحمي ظهره وأرفعه قدام الناس.. أصل الأستاذ اللي واقف فرحان بنفسه ده، الدكتور قالنا في وشنا إن عيبه ملوش علاج،