ورث مراتي اماني سيد

لمحة نيوز


أبص في مراية الشقة.. ولا قادر أبص في عين مراتك اللي كانت نايمة جوة بكل ثبات وهدوء يقتل. طلعت من البيت وهدومي شكلها مبهدل وعيوني زاغية. ركبت المواصلات وأنا بستلف حق التكت من صاحبي في الشغل بكسرة نفس عمر ما راجل يتمناها لنفسه.
وصلت بيت خطيبتي الجديدة.. أبوها فتحلي الباب، وبصلي باستغراب من منظري خير يا معلم؟ مالك جاي في النجمة وكأنك هربان من طار؟بلعت ريقي بالعافية، وحاولت أجمع أي كذبة صايعة، بس لساني اتلجلج، واللقمة والكرامة كانوا خلاص ممسوحين يا حاج.. أنا جاي أستأذنك أخد الشبكة الدهب والألماظ كام يوم بس..
أصل في حتة أرض معروضة عليا لقطة ومحتاج السيولة دي للتعرية والعربون، وأول ما البيعة تخلص هرد الدهب وزيادة عليه طقم تاني لبنتك أبوها بصل بحدية ونظرة شك، وخطيبتي طلعت من جوة ومسكت الشبكة وهي بتعيط ومش راضية تسيبها يعني إيه يا معلم؟ الشبكة دي حقي! أنت بتاخدها مني بعد ما أعلنا وقرينا الفاتحة؟كنت واقف قدامهم زي العيل الصغير، باصص في الأرض ومش قادر أرفع عيني.
. بين إني أصر على موقفي وآخد الشبكة بالذوق أو العافية، وبين إن مراتك تنفذ تهديدها وتيجي لحد البيت هنا تفضحني وتعرفهم إني شحات، ولا حيلتي شقة تمليك ولا معيا مليم أستر بيه بنتم!أخدت الشبكة والدهب بقلة قيمة، وسط نظرات قرف من أبوها، ودموع خطيبتي اللي حسيت إنها كانت بداية النهاية للفيلم الهابط اللي عشت فيه. سحبت نفسي ورجعت البيت.
. المشوار كله كنت حاسس إن الناس في الشارع شايفين خيبتي. فتحت باب الشقة بالمفتاح.. البيت كان هادي، أمي وإخواتي لموا هدومهم ومشوا من بدري بعد ما ذاقوا المر، والشقة فضيت عليا وعليها. كانت قاعد على سفرة المطبخ، بتشرب القهوة ومستنية. مشيت بخطوات تقيلة، وحطيت علبة الدهب والألماظ على الترابيزة قدامها. أدي الشبكة.. الدهب والألماظ كله أهو.. والخطوبة اتفضت خلاص رفعت رأسها بالراحة، وبصت للعلبة، وبعدين بصتلي فوق وتحت ببرود يذبح.
ما اتنططتش ولا فرحت، بالعكس.. نظرتها كانت نظرة القاضي اللي حكم بالنفاذ. سحبت العلبة، فتحتها وأتأكدت إن كل قطعة موجودة، وقفت وقالتلي بصوت واطي ومفهوم كده الحساب الأولاني اتقفل يا معلم.. الفلوس والدهب رجعوا مكانهم. لكن عشان تصليح اللي اتكسر جوة البيت ده؟ قدامك مشوار طويل أوي.. وأول خطوة فيه إنك تنسى فكرة الورث دي تماماً، وتبدأ تشتغل وتعرف يعني إيه راجل بيصرف على بيته بحلاله، مش بالنذالة والخسة!
سابتني واقف مسمار في المطبخ، ودخلت أوضتها، وأنا بقيت واقف في بيت فاضي، مفلس، ومكسور العين.. وعرفت إن اللي يلعب مع ست أذكى منه، لازم يدفع الثمن غالي ومن كرامه قبل جيبه!عدت الأيام، والشقة بقت زي قبر مقفول عليا.. الهدوء اللي فيها كان أشد وأقسى من كل الدوشة والمواليد اللي عملتها أمي وإخواتي.
بقيت أدخل البيت زي الغريب، أمشي على أطراف صوابعي، خايف أعمل أي صوت أو أفتح بوقي بكلمة. هي ما كانتش بتتخانق، ولا بترفع صوتها، ولا حتى بتكشر في وشي.. كانت بتعاملني ببرود أبرد من التلج، تجيب الأكل وتحطه قدامي بسكوت، وتنضف البيت بسكوت، ولما أطلب حاجة ترد على قد الكلمة بالضبط، ومن غير ما عيونها تتقابل مع عيوني.
الكسرة اللي حسيتها قدام أبو خطيبتي القديمة والدهب اللي أخدته بقلة قيمة كانت لسه بتأكل في قلبي، بس القهرة الأكبر كانت إني حاسس إني صغرت قدام نفسي.. بقيت حاسس إني عيل ملوش كلمة ولا قيمة في بيته. في يوم، قعدت على الكنبة في الصالة بعد ما رجعت من الشغل مهدود، وكانت هي طالعة من المطبخ ومقاطعة السكة.
ناديت عليها بصوت واطي ومكسور يا بنت الحلال.. لحد إمتى هنفضل عايشين كدا؟ أنا أهو سمعت الكلام، ورجعت الدهب والشبكة، ونهيت موضوع الجوازة التانية خالص، وأمي وإخواتي مشيوا وما بقاش حد يدخل بيتك.. مش كفاية بقى العقاب ده؟وقفت مكانها، وبصتلي بنظرة طويلة، خالية تماماً من أي مشاعر.. لا فيها غضب، ولا فيها حزن، ولا حتى شفقة.
قربت خطوات هادية، وقفت قدامي وهي ساندة إيدها على سفرة الصالة، وقالت بنبرة حاسمة عقاب؟ أنت فاكر إن اللي بيحصل ده عقاب يا معلم؟ لأ أنت فاهم غلط.. أنا مش بعاقبك، أنا بس بقيت بتعامل معاك على قد حجمك الجديد عندي. أنت كنت فاكر إنك لما تسلّط عليا أهلك، وتخنقني في بيتي، وتستغفلني عشان تاخد ورثي تجوز بيه واحدة تانية.
. إن كلمة حقك عليا أو رجوع الشبكة هيمحوا القرف ده في يوم وليلة؟سكتت لحظة، ونظرتها كانت بتخترقني زي السكين البيت ده أنا اللي شيلته يوم ما أنت كنت بتفكر إزاي تكسرني.. والفلوس اللي أنت حطيتها في الشبكة والهدايا، لو كنت استثمرتها في بيتك وعيالك كان زمانك في مكان تاني. بس أنت اخترت الخسة، والست لما تجرحها في كرامتها وتستغفلها، بتموت جواها حاجة اسمها ثقة.
. والثقة دي لو أتعجنت بمليون جني مش بترجع سحبت كرسي وقعدت قدامي، وحطت إيدها على الترابيزة عايز العيشة ترجع؟ يبقى تبدأ من السفر.. تصرف على البيت من عرقك، وتقفل سيرة ورثي دي للأبد، ولا تحلم بقرش منه لو تموت.. وتعرف إنك لو فكرت مجرد تفكير تلعب من ورايا تاني، المرة الجاية مش هتبقى شبكة ولا عزومات.. المرة الجاية هتبقى ورقة طلاقك بيدك، وحق عيالك هتاخده بالقانون والقدم، وساعتها هسيبك للهوا.
بلعت ريقي وأنا حاسس إن كل كبريائي اتبخر.. بصيت للأرض، وما لقيتش عندي رد واحد أدافع بيه عن نفسي. حاضر.. اللي تشوفيه يا بنت الحلال سابتني وقامت، ودخلت الأوضة وقَفَلت الباب. قعدت لوحدي في الضلمة، بصيت لحيطان الشقة اللي كنت عايز أطفش منها، وللأيام اللي ضاعت في العناد والخطة الغبية.
. وعرفت إن الراجل لما بيخسر كرامته ونخوته عشان قرشين أو نزوة، بيفضل طول عمره يدفع الفاتورة، وممكن يعيش تحت سقف واحد مع ست.. بس يعيش في نظرها مجرد خيال مَآتة!مرت الأيام والأسابيع، وأنا عايش في البيت زي ضيف تقيل مالوش أي كلمة. أروح الشغل الصبح وارجع بالليل، أدخل ألاقي الأكل محطوط بانتظام، والبيت متستف، ونضيف.

. بس كان ناقصه أهم حاجة الروح. مكانش فيه بيني وبينها غير السلام وعليكم السلام، وكلام على قد المصاريف وأحوال الولاد. بقيت لما أعوز حاجة أستأذن، ولما أحب أفتح موضوع أتردد ألف مرة قبل ما أنطق. الكسرة اللي جويا مكانتش عشان الفلوس اللي ضاعت على الشبكة والألماظ، لكن عشان نظرة الاستصغار اللي بشوفها في عيونها كل ما تبصلي. وفي يوم، كنت قاعد في الصالة بالليل، وهي كانت بتمسح الترابيزة.
بصيت لها وجمعت كل شجاعتي عشان أكلمها هو أنا هفضل عايش معاكي كده طول العمر؟ غريب في بيتي؟ مش كفاية يا بنت الحلال اللي حصل؟ أنا اتعلمت الدرس، ومبقتش عايز غير إننا نرجع زي الأول سحبت الفوطة من إيدها، ووقفت بصتلي بجمود.. مفيش في عيونها أي أثر للزعل ولا للغل، كان فيه حاجة أصعب بكثير موت المشاعر. قالتلي بصوت هادي يقطع القلب
ترجع إزاي يا معلم؟
هو اللي بيتكسر في كرامة الست ونخوة الراجل بينفع يتصلح؟ أنت ما كفلكش إنك راجل البيت ومسؤول عننا.. أنت حاطت عينك على ورثي، وجبت أمك وأخواتك يذلوني في بيتي، وكنت بتستغفلني عشان تجوز عليا بفلوسي! أنت فتحت باب من الخسة، والباب ده لما بيتفتح بياخد معاه كل حاجة حلوة قربت خطوة وقالت بثبات أنا قعدت معاك مش عشان بحبك ولا عشان مستنية تتغير..
أنا قعدت عشان عيالي ما يتربوش بعيد عن أبوهما، وعشان بيتي اللي تعبت فيه ما يتهدش. أنت عايش معايا أكلك وشربك وغسيلك بيتعملوا على أكمل وجه.. بس قلبك وثقتك وبصتي ليك كراجل أتسند عليه؟ دول ماتوا من اليوم اللي فكرت فيه تعمل عليا راجل بأهلك سكتت لحظة، وبعدين كملت وهي بتبص في عيني مباشرة ورثي اللي كنت طمعان فيه؟ مش هتشوف منه مليم، وعايزه يفضل محطوط في البنك للزمن ولعيالي.
وأنت هتعيش تصرف على بيتك قرش ينطح قرش من عرقك.. تعيش راجل بجد، مش بتمثيلية سابتني ومشيت ودخلت أوضتها، وأنا فضلت قاعد في مكاني مش عارف أرد..ساعتها بس فهمت إن أقصى عقاب ممكن تديه لك ست أذكى منك، مش إنها تتخانق معاك أو تطلب الطلاق.. العقاب الحقيقي إنها تسيبك عايش معاها تحت سقف واحد، بس تجردك من هيبتك وتخليك تشوف نفسك في الملاية كل يوم ك عيل صغير خسر بيته وكرامته عشان نزوة وطمع!
ومرت الشهور.. وكانت أصعب شهور عدت عليا في حياتي. الهدوء القاتل اللي في البيت كان بيعصرني كل يوم، بس المرادي قررت إني ما أهربش ولا أعاند. استوعبت إن الطريق الوحيد عشان أرجع راجل في عين نفسي وفي عينها، هو إني أتحمل نتيجة أفعالي وأثبت لها إن الشدة والأزمة دي طلعت مني راجل جديد. بدأت أغير كل حاجة في حياتي من الساس للرأس.
نزلت شغلي بروح تانية خالص، بقيت أشتغل ورديتين وأسهر عشان أزود دخلي بحلال الله. بقيت أرجع البيت هدومي مبلولة عرق وتعب، وأحط المصاريف كلها في إيدها بالقرش، وأقولها بمنتهى الرضا دي مصاريف البيت، والحمد لله ربنا بارك في القرشين بتوع النهاردة ما بقتش أفتح سيرة الورث ولا الفلوس من قريب أو بعيد، بل بالعكس.
. بقيت أقولها فلوسك وورثك دول حقك وحق عيالك، شيليهم للزمن وأنا المسؤول عن كل لقمة بتدخل البيت ده بدأت أصلح اللي أفسدته مع أهلي كمان؛ جمعت أمي وإخواتي، وقولتلهم بوضوح وشدة بس بأدب اللي حصل زمان كان غلطتي أنا، ومراتي على راسي وبيتي خط أحمر، ومحدش يتدخل بيني وبينها تاني.. وحطيت حدود واضحة للجميع عشان أحمي بيتي وكرامة مراتي اللي هانتها بسبب طمعي.
مع الوقت، كانت هي بتراقب التغير ده في صمت. شافت التعب في وشي، وشافت الإصرار في عيني على إنه ينصلح حالي، وشافت إني بقيت بحترمها وبحفظ غيبتها وبشيل بيتي وعيالي فوق كتفي بجد. التلج اللي كان على قلبها بدأ يدوب واحدة واحدة.. اللقمة بقت تنزل بابتسامة، والحديث اللي كان على قد الكلمة بقى يطول، والضحكة اللي غابت عن البيت سنين بدأت ترجع تدريجياً.
وفي ليلة، رجعت من الشغل مهدود الحيل بعد يوم طويل وتعبان. دخلت الشقة لقيت الهدوء هادي ورَايِق، والولاد نايمين، والأكل متغطي وسخن على السفره. خرجت هي من الأوضة، كانت جايبة لي كوباية شاي سخنة، وبصتلي بنفس النظرة الثابتة.. بس المرادي ما كانش فيها برود ولا قسوة، كان فيها دفا وتقدير. حطت الشاي قدامي، وقعدت قصادي، وقالتلي بصوت هادي يداوي كل الجروح اللي فاتت تعبت النهاردة يا معلم.
. الله يقويك ويصلح حالك رفعت رأسي وبصيت في عينها.. الكلمة دي كانت بالنسبة لي أحسن من كل كنوز الدنيا. ابتسمت وقالت بثقة أنا شفت السعي والتعب اللي بقالك شهور عايش فيه، وشفت إنك اتغيرت بجد وعرفت قيمة بيتك.. الست يا معلم مش عايزه راجل معاه ملايين ولا عايزه تاخد حقه، الست محتاجة تحس إن اللي معاها راجل حقيقي، بيحميها وبيصونها وما بيستغفلهاش ولا يبيعها عشان نزوة.
أنت أثبت لي إنك اتعلمت الدرس، والصفحة القديمة دي أنا طويتها للكتف، والنهارده بنبدأ على نظافة ساعتها حسيت إن جبل كان متشال من على صدري واتزاح. مسكت إيدها، ولأول مرة من زمان حسيت إن كرامتي ورجولتي رجعولي بجد.. مش بالفرض ولا بالسيطرة الكدابة، لكن بالمسؤولية والأمانة. عرفت ساعتها إن الدرس كان قاسي أوي، بس كان لازم أتعلمه إن البيت ما بيتبنيش بالخسة ولا بالطمع، وإن الست الأصيلة الذكية لما تسامح بعد كسر، بتبني معاك بيت أمتن وأقوى من الأول ألف مرة.

 

تم نسخ الرابط