ورث مراتي اماني سيد
بفلوس أمي؟ وبكل الثبات ده؟سيبت كل اللي في إيدي وركبت عربيتي ورجعت البيت وأنا سايق على سرعة جنونية، عقلي بيطبخ ألف طريقة أرد بيها إهانتها لينا وأكسر غرورها ده للابد.
أول ما فتحت باب الشقة بالمفتاح، استقبلتني ريحة بخور هادية مع صوت ضحكات عاليه جاية من الصالة. البيت كان عبارة عن خليه نحل .. أخواتها وولادهم مالين المكان، وأمي وإخواتي البنات وافقين في جنب المطبخ، وشوشهم سودا من القهرة وممسوح بكرامتهم الأرض. وهي؟
كانت واقفة في وسط الصالة، لابسة أنضف ما عندها، متزوقة ومبتسمة بكل هدوء، أول ما شافتني داخل، ما اتوترتش ولا إتهزت.. بالعكس، قربت مني بمنتهى الترحيب وقالت بصوت عالي يسمع الكل أهلاً يا معلم! خطوة عزيزة.. تعال شوف أهلي اللي جم يطمنوا علينا لما عرفوا إن أهلك عندنا من أسبوع ومونسيننا.. أصلهم قالوا عيب نسيب حماتك وإخواتك يشيلوا الشيلة لوحدهم!
قربت منها ومسكت إيدها بجامد ووشوشتها بصوت واطي وأنا بأكل في نفسي إيه الجنان اللي بتعمليه ده؟ أنتِ تجرأي تمدي إيدك على شنطة أمي وتنزلي كرامتها هي وإخواتي?
بصتلي في عيني بجمود أبرد من التلج، وسحبت إيدها بالراحة من غير ما تشد، وقالتلي بنفس الصوت الواطي اللي ما يوصلش لحد غيري كرامة أهلك؟ أنت اللي نزلت كرامتهم يوم ما جبتهم شغالات وعزومات عشان تضغط عليا اجوزك بورثى .
. أنا بس عزمت أهلي، وطلبت من ضيوفي المقيمين يقوموا بالواجب. مش أنت بتقول البيت بيتهم؟ يورونا بقى كرم البيت!والفلوس اللي أخدتها من أمك؟ دي جزء بسيط أوي من حق العزائم اللي أنت كلتها من ورثي للأسبوع اللي فات كله.
قربت أكتر وحطت صباعها على صدري وقالت بابتسامة يرعب منها أي راجل المهلة فاضل فيها يوم واحد يا معلم..لو الشبكة الدهب والألماظ ما رجعتش في إيدي، ولو فيلم أمك وإخواتك ما ينتهيش حالا.. الحركة الجاية مش هتبقى في البيت، الحركة الجاية هتبقى في سوق شغل ورزقك.. وأديك عارف أنا أقدر أعمل إيه كويس لما أقرر أذل اللي فاكر نفسه أذكى مني.
وقفت في مكاني مش عارف أنطق حرف.. بصيت لأمي اللي مستنية مني كلمة أرد بيها كرامتها، وبصيت لأهلها اللي قاعدين يضحكوا ومش فاهمين حاجة، وبصيت ليها هي.. وعرفت ساعتها بس إن اللعبة دي كانت أكبر مني بكثير، وإني سلمت رقبتي لست مش بتهزر!
المهلة خلصت، وأنا طنشت وسوقت فيها العناد. كنت فاكرها كروت بتلعب بيها عشان تخوفني، وقولت في نفسي آخرهم هيقعدوا يوم ولا اتنين ويمشوا، والست مالهاش إلا بيتها وجوزها.
بس أنا ما كنتش فاهم إن المرة دي الحرب مش حرب كلام.. دي حرب تكسير عظام!الأسبوع ده مر عليا كأنه أطول أسبوع في حياتي. أهلها ما مشيوش.. بالعكس، دول استقروا وزادوا! كل يوم الصبح أصحى ألاقي الصالة مليانة، وطلبات العزومات ما بتخلصش. الفطور حمام وفطير مشلتت، والغدا ذبايح ولحوم وأشكال وألوان، والعشا مشويات وحلويات شرقية بالشيء الفلاني. وهي؟ كانت بتدير المولد ده بقمة الهدوء والذكاء.
كل ما الدليفري أو الجزار أو المحل يوصل تحت البيت، تخرجلي قدام الكبار بثبات وقدرة عجيبة، وتقول بصوت عالي وابتسامة راقية الحقات وصلت يا معلم.. معلش اطلع ادفع الحساب عشان الراجل واقف تحت!
ما كنتش أقدر أفتح بوقي أو أقول معاييش قدام قرايبها وإخواتها الكبار اللي قاعدين حاطين رجل على رجل. كنت ببلع الإهانة وأطلع المحفظة وأنا قلبي بيتعصر، وأدفع من الجنيهات اللي فاضلة معايا. أمي وإخواتي البنات بقوا زي اللقمة في الفك، مقهورين ومحريين في المطبخ من الصبح للليل بيخدموا ويغسلوا مواعين عزومات أكلها ناس جايين يكسروا عيننا.
كل ما أمي تحاول تتكلم أو تشتكي، تطلع هي بمنتهى البرود وتقولها قدام الكل معلش يا حماتي، البيت بيتك وأنتِ الكبيرة، ولا عايزه أهل جوزي يقولوا إنك مأثرة في واجب الضيافة؟.
يوم ورا يوم.. الفيزا اتسحبت لحد آخر مليم، التحويشة البسيطة اللي كانت في الشغل خلصت، والحساب في البنك بقى صفر!وصلت لمرحلة إني بقيت بلِف حولين نفسي عشان أجمع حق علبة السجاير أو أكل اليوم. بقيت بستلف من زمايلي في الشغل ومكسوف من نفسي، والديون بدأت تتراكم عليا. وفي اليوم السابع، دخلت البيت وأنا جايبي فاضي تماماً.. حافي ومكسور، مبقاش معايا مليم واحد، ولا حتى حق المواصلات لبكرة!
لقيت الصالة فضيت لأول مرة.. أهلها مشيوا بعد ما أكلوا الأخضر واليابس وخربوا بيتي، وأمي وإخواتي قاعدين في جنب زي القتلا، مش قادرين يرفعوا راسهم ولا ينطقوا بحرف من القهرة والتعب. خرجت هي من الأوضة، كانت لابسة ومتشيكة، وماسكة كوباية القهوة في إيدها. بصتلي من فوق لتحت، وشفايقها اترسمت عليها ابتسامة النصر اللي كنت خايف منها.
قربت مني وأنا واقف في وسط الصالة مش قادر أرفع عيني فيها، وحطت كوباية القهوة على الترابيزة وقالت بصوت هادي أبرد من التلج إيه رأيك يا معلم؟ المولد عجبك؟ أديك جربت تدفع حق العزومات من جيبك لحد ما أفلست ومبقاش معاك مليم.. وده كان مجرد درس صغير عشان تفهم إن القرشين بتوعي مش هتاخد منهم مليم أصلًا، وإن اللعب معايا بالخسة آخره خراب بيتك أنت.
قربت أكتر وحطت إيدها في جيبها وطلعت ورقة، وحطتها في إيدي الورقة دي فيها حساب كل العزومات والأكل اللي اتصرف الأسبوع ده من جيبك، بالإضافة للفلوس اللي أخدتها من أمك. وبكرة الصبح.. قدامك خيارين مالهمش تالتيا إما تروح للعروسة الجديدة وأبوها، وترجع الشبكة الدهب والألماظ اللي جبتها بفلوس تحويشة عمرك وتلغي الجوازة دي خالص وتجيب الفلوس تحطها قدامي هنا.
. يا إما الورقة دي مع شوية تفاصيل تانية عن الشبكة والخطوبة اللي بالداري هتكون عند أبو العروسة الجديدة، وهعرفه إنك مفلس ومعكش حتى حق شقة تمليك ولا حيلتك مليم تسند بيه نفسك!
سابتني واقف مسمار في مكاني ومشيت.. بصيت لأمي اللي بتبصلي بدموع وندم، وبصيت للورقة اللي في إيدي.. وعرفت إن العناد أكلني، وإني بقيت مفلس، مكسور، وتحت ضرس ست ما بترحمش!
. يا إما الورقة دي مع شوية تفاصيل تانية عن الشبكة والخطوبة اللي بالداري هتكون عند أبو العروسة الجديدة، وهعرفه إنك مفلس ومعكش حتى حق شقة تمليك ولا حيلتك مليم تسند بيه نفسك!سابتني واقف مسمار في مكاني ومشيت.. بصيت لأمي اللي بتبصلي بدموع وندم، وبصيت للورقة اللي في إيدي.. وعرفت إن العناد أكلني، وإني بقيت مفلس، مكسور، وتحت ضرس ست ما بترحمش!
مسكت الورقة في إيدي وأنا حاسس إن السقف بيقع على دماغي. بصيت لأمي وإخواتي اللي قاعدين زي القتلا في الصالة، شفت في عيونهم نظرة انكسار ورعب خلوني لأول مرة أحس بحجم القرف والندل اللي عملته. أمي اللي كنت مأمل إنها تزهّق مراتك، بقيت هي اللي مقهورة ومكسورة ومفلسة، والبيت اللي كنت فاكر إني هبقى فيه السي السيد وأفرض سيطرتي، بقيت فيه مجرد كومبارس أتعصر لحد ما أفلست!
ما نمتش ليلتها.. فضلت طول الليل أتقلب على السرير وأنا سامع صوت نفسي ورجفة قلبي. الفجر أذن، قمت لبست هدومي وأنا مش قادر