كنت راجعه مع بنتي
كنت راجعة أنا وبنتي من عند أمي في الأتوبيس، ولما وصلنا عند موقفنا، بنتي سارة، اللي عندها 7 سنين، لزقت في الكرسي وهمستلي وهي مرعوبة
ماما، والنبي متخلينيش أنزل عماد في البيت وأنا خايفة منه.
الجملة نزلت عليّا زي الصاعقة. الأتوبيس كان وقف، والباب اتفتح، والناس ورايا بدأت تتضايق عشان واقفة ومش بنزل.
أنا اسمي منى، ومن أول ما سمعت صوت بنتي، حسيت إن رجلي اتثبتت في الأرض.
أول حاجة جت في بالي إني أمسك إيدها وأنزل، خصوصًا إن عماد كان مستنينا في البيت.
عماد كان جوزي بقالنا حوالي 8 شهور، وكنت فاكرة إني أخيرًا بدأت أعيش حياة مستقرة بعد طلاقي الأول.
بس سارة ما كانتش بتعمل شقاوة ولا بتدلع.
كانت وشها أصفر، حضنة شنطتها جامد، وعينيها متعلقة بالشارع كأنها خايفة تشوف حد.
بصيت للسواق وقلت بسرعة
لو سمحت كمّل هننزل بعد الموقف الجاي.
الباب اتقفل وسط تذمر كام واحد من الركاب، والأتوبيس اتحرك.
أول ما بعدنا عن الموقف، سارة طلعت نفس طويل كأنها كانت حابسة نفسها.
وبعدين قربت مني وقالت بصوت واطي
ماما أنا صحيت امبارح بالليل عشان كنت عايزة أشرب مية.
بصيتلها
وبعدين؟
بلعت ريقها وقالت
لقيت عماد واقف في أوضتي جنب الدولاب وكان بيتكلم في التليفون.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
كان بيقول إيه؟
سارة سكتت ثواني، وبعدين قالت
سمعته بيقول البنت ممكن ياخدوها بعدين أنا الأول محتاج توقيع أمها.
حسيت بمغص مفاجئ في بطني.
وبعدها قال إن الشقة مفيهاش مشكلة عشان أنا متسجلة عند تيتة.
سكت.
سارة أصلًا ما تعرفش حاجة عن عقود ولا توكيلات ولا بيع وشراء.
بالنسبة لها، موضوع إنها متسجلة عند تيتة معناه بس إن عنوان المدرسة والدكتور بتاعها قريب من بيت أمي، الحاجة أمينة.
لكن فجأة بدأت أفتكر حاجات كتير كان عماد بيسألني عنها وكنت باعتبرها فضول عادي.
كان بيسألني كتير
الشقة فين بالظبط؟
ومين صاحبها؟
وهل طليقي أحمد ليه أي حق فيها؟
وليه سارة عنوانها الرسمي عند جدتها؟
وقتها افتكرت كل ده، وحسيت بقشعريرة في جسمي.
وفجأة موبايلي رن.
عماد.
رديت وأنا بحاول أثبت صوتي
أيوه؟
قال من غير حتى ما يقول السلام
إنتوا فين؟
قلت بسرعة
سارة كانت عايزة تجيب حاجة، فنزلنا محطة زيادة.
سكت ثانيتين.
وبعدين صوته اتغير
متكدبيش عليّا يا منى. أنا شوفت الأتوبيس وهو معدّي. إنتوا كان المفروض تنزلوا.
بصيت من الشباك وأنا بحاول أبان هادية.
إنت كنت مستنينا عند الموقف؟
قال بنبرة غريبة
أيوه. نزلت أستقبلكم. ارجعوا.
وبعدين سكت لحظة وقال
ومتخليش طفلة هي اللي تتحكم في الكبار.
قفلت المكالمة من غير ما أرد.
المرة دي فهمت إن الموضوع مش طبيعي خالص.
ما رجعتش البيت.
نزلت أنا وسارة في مول كبير مليان ناس وكاميرات، وأول ما دخلنا، اتصلت بأمي.
أمي ما سألتنيش كتير.
قالتلي على طول
إوعي ترجعي البيت. أنا جاية آخدكم. وكلمي أحمد أبو سارة.
اترددت.
عماد كان بقاله شهور يقنعني إن أحمد مستني أي غلطة مني عشان ياخد سارة مني.
لكن المرة دي، خوفي على بنتي كان أقوى من أي حاجة.
اتصلت بأحمد.
ما عاتبنيش،
بعد أقل من ساعة كان عندنا.
حضن بنته، وبعدها طلب يشوف الرسائل اللي بيني وبين عماد.
وهنا افتكرت حاجة أخطر.
جواز سفري
وعقد الشقة
وشهادة ميلاد سارة
كلهم كانوا في البيت.
وقبل ما ألحق أتكلم، موبايلي رن برسالة صوتية من عماد.
فتحتها.
صوته كان هادي بشكل يخوف
أنا معايا ورقك كله. حطيته في مكان آمن عشان ما يضيعش. متعمليش منها مشكلة.
قلبي وقع.
وبعدها بدقيقة وصلتني صورة.
الصورة كانت على ترابيزة السفرة في بيتنا.
قدام الكاميرا كان ظاهر جواز سفري، وصور من عقد ملكية الشقة، وشهادة ميلاد سارة
وفوقهم عقد عليه علامات صفراء صغيرة متحطوطة على كذا صفحة.
قربت الصورة من وشي.
وفي أول الصفحة كان مكتوب
عقد وعد بالبيع.
فضلت باصة للصورة وأنا مش قادرة أتكلم.
وبعدها وصلتني آخر رسالة منه
ارجعي خلال عشر دقايق. وقّعي ونخلص، وبلاش تسمعي كلام البنت. لو ما رجعتيش، أنا هتصرف بطريقتي عشان أنقذ البيت ده.
رفعت عيني وبصيت لسارة.
في اللحظة دي فهمت إن بنتي ما كانتش بتحكيلي كابوس.
ولا كانت بتخاف من غير سبب.
عماد كان بيحاول يبيع شقتي.
والأخطر من كده
إنه واضح إنه كان مرتب الموضوع من بدري، ووصل لمرحلة إن فيه مشتري مستنيه فعلًا.
بس اللي ما كنتش أعرفه وقتها
إن اللي هكتشفه بعد كده كان أخطر بكتير من مجرد محاولة بيع الشقة.
بصيت لأحمد اللي عينه كانت مسمّرة على شاشة التليفون، ووشه اتخطف أول ما قرأ عبارة عقد وعد بالبيع.
الشقة دي باسم مين يا منى؟
صوته كان
باسمي ومكتوبة في الشهر العقاري ومسجلة باسمي، ومامتي وثقت العنوان ده عشان بطاقتي وبطاقة سارة والمدارس. عماد ملوش أي صفة فيها، إزاي يبيعها؟!
أحمد بص حواليه في المجمع التجاري كأنه بيأمن محيطنا، وقال بنبرة قاطعة
التوكيل العام القديم لما اتجوزتيه، عملتيله توكيل عام في المحاكم؟
الكلمة نزلت عليّا زي الصاعقة. افتكرت بعد جوازنا بشهرين، لما طلب مني أعمله توكيل عام رسمي عشان يخلصلي أوراق المعاش والإجراءات الحكومية بدل ما أتعب نفسي في الشوارع، ووافقت وأنا مغمضة عن حسن نية!
عملت عملت توكيل إدارة وشؤون عامة.
أحمد ضغط على إيده بقوة لدرجة إن عروقه بارت
إدارة وبيع وشراء.. المحاميين زيه بيستغلوا الثغرات دي عشان يبيعوا لنفسهم أو لحد تاني بصفتهم وكلاء عنك، لو معاه أصل التوكيل في الورق اللي سرقه من البيت، يبقى يقدر يمضي العقد نيابة عنك والمشتري يدفع الفلوس ويستلم والمحكمة هتاخد وقت طويل عقبال ما تلغي الباطل ده، ده لو ما كانش خلص نقل الملكية بالفعل!
حضنت سارة اللي كانت مستخبية في ضهري بتعيط بصوت مكتوم. حسيت إن الدنيا بتلف بيا. جوزي اللي دخلته بيتي، وكنت فاكراه سند، طلع قنبلة موقوتة محطوطة جوه حياتي وحياة بنتي!
في اللحظة دي، موبايلي رن تاني.
عماد.
أحمد أخد الموبايل من إيدي بسرعة، فتح الميكروفون، وحطه على وضع السبيكر، وقال لي بصوت خشن
ردّي.. وخليه يتكلم في النقطة اللي تدينه.
فتحت الخط، وصوت عماد جه
عشر دقايق خلصوا يا منى. الشارع فاضي والمشتري قاعد مع السمسار تحت البيت ومعاه