طلب جوزي تحليل DNA بعد دقايق من ولادتي
الأدلة.
الممرضة شالت الطفلة برفق وحطتها في حضني.
وفي اللحظة دي...
الطفلة فتحت عينيها.
وبصتلي.
وبدون أي مقدمات بطلت العياط اللي كانت عاملاه من شوية.
سكتت تمامًا.
وسندت وشها الصغير على صدري.
أنا انفجرت في البكاء.
مش قادرة أوصف الإحساس.
وكأن جزء ضايع مني رجع لمكانه.
أحمد كان واقف بعيد، وعينيه مليانة دموع لأول مرة أشوفها.
الدكتور طلب تحليل تأكيدي أخير.
وساعات الانتظار رجعت أصعب من الأول.
لكن المرة دي كان فيه أمل.
وفي المساء وصلت النتيجة.
الدكتور دخل الأوضة وهو مبتسم.
وقال
مبروك يا مدام منى... دي بنتك فعلًا.
صرخت من الفرحة وأنا حاضناها.
أما أحمد ففضل واقف مكانه ثواني طويلة قبل ما يقرب.
بص للبنت.
ثم بصلي.
وقال قدام كل الموجودين
أنا ظلمتك.
سكت لحظة.
وظلمت بنتي قبل ما أشوفها.
كانت أول مرة يعترف فيها بخطئه.
لكن الجرح اللي سببه جوايا ماكانش سهل يختفي.
مرت أسابيع.
المستشفى فتحت تحقيق كامل، واتضح إن اللي حصل كان خطأ إداري أثناء حالة الطوارئ وقت انقطاع الكهرباء، وتم تعديل الإجراءات بعدها عشان ميحصلش تاني.
أما رانيا، فاستعادت طفلتها هي كمان، وبقينا على تواصل بعد اللي مرينا بيه.
الغريب إن المصيبة دي حولتنا لصديقتين.
كل واحدة فينا كانت شاهدة على خوف التانية.
أما أحمد...
فقعد شهور يحاول يصلح اللي كسره.
مش بالكلام.
بالتصرفات.
كان بيصحى بالليل يشيل البنت.
يساعدني.
ويحاول يرجع الثقة اللي ضيعها بشكه.
وفي يوم، وأنا قاعدة أبص لبنتي وهي بتحاول تمشي أول خطواتها، حسيت بإيد أحمد على كتفي.
قال بهدوء
النهارده بس فهمت إن الثقة لو ضاعت، أصعب بكتير من أي تحليل يثبت الحقيقة.
بصيت لبنتي وهي بتضحك.
وافتكرت اللحظة اللي كنت فاكرة فيها إني خسرتها للأبد.
ساعتها عرفت إن أصعب المعارك مش دايمًا بتكون ضد الناس...
أحيانًا بتكون ضد الخوف والشك اللي جوانا.
النهاية بعد ما الكل افتكر إن الحكاية انتهت، وإن كل طفل رجع لأهله، وإن الحياة أخيرًا رجعت طبيعية...
حصل شيء قلب كل حاجة من جديد.
بعد ستة شهور
رن جرس الباب.
فتحت لقيت راجل كبير في السن، لابس بدلة بسيطة وماسك ظرف بني قديم.
سألني حضرتك مدام منى؟
هززت رأسي.
ناولني الظرف وقال الجواب ده كان أمانة عندي، ولازم يوصل لحضرتك النهارده بالذات.
قبل ما أسأله أي حاجة، كان نزل السلم واختفى.
قفلت الباب وأنا مستغربة.
فتحت الظرف.
ولقيت جواه ورقة واحدة.
مكتوب فيها بخط يد مرتعش
لو وصلك الجواب ده، يبقى في حاجة مهمة محدش قالهالك عن يوم ولادة بنتك.
إيدي اتجمدت.
كملت قراءة.
اللي حصل في المستشفى ماكانش مجرد خطأ بسيط زي ما قالوا.
شهقت.
وحسيت بقلبي بينزل في رجلي.
كان فيه توقيع في آخر الورقة.
اسم شخص مات أثناء التحقيقات اللي حصلت وقتها.
شخص كان بيشتغل في المستشفى.
قعدت أقرأ السطور أكتر من مرة.
وفي آخر الجواب كان مكتوب عنوان.
وغرفة.
ورقم ملف.
بس.
لا تفسير.
ولا تفاصيل.
في المساء، استنيت أحمد يرجع من الشغل.
أول ما قرأ الرسالة، قال بسرعة
حد بيلعب بأعصابنا.
لكن نبرة صوته نفسها كانت مهزوزة.
لأنه لاحظ حاجة أنا ماخدتش بالي منها.
تاريخ كتابة الرسالة.
كان قبل وفاة صاحبها بيوم واحد فقط.
يعني الراجل كان عارف إنه ممكن ما يعيشش.
وفي اليوم التالي...
رحنا للعنوان.
كان مبنى قديم مهجور تقريبًا.
وصلنا للغرفة المكتوبة.
الباب كان مقفول بقفل صدئ.
وبعد محاولات، قدرنا نفتحه.
دخلنا.
الغرفة كانت فاضية إلا من مكتب خشب قديم.
ودرج واحد مقفول.
فتحناه.
لقينا ملف.
وعليه اسم بنتي بالكامل.
تجمد الدم في عروقي.
أحمد فتح الملف بسرعة.
لكن أول صفحة خلتنا نبص لبعض في ذهول.
لأن الملف ماكانش بيتكلم عن تبديل الأطفال.
ولا عن المستشفى.
كان بيتكلم عن حادثة حصلت قبل أكتر من عشرين سنة.
وفي آخر الصفحة صورة قديمة بالأبيض والأسود.
لست شابة واقفة قدام المستشفى نفسها.
ولما قربت الصورة من وشي...
حسيت إن أنفاسي وقفت.
لأن الست دي...
كانت نسخة مني تمامًا.
نفس الملامح.
نفس العينين.
نفس الابتسامة.
ومكتوب تحت الصورة
منى... الطفلة المفقودة
وقتها بس فهمت إن سر يوم ولادة بنتي...
كان مرتبط بسر أقدم بسنين طويلة.
سر بدأ قبل ما أولد.
بل قبل ما أعرف أنا نفسي مين وقعت الصورة من إيدي.
فضلت أبص للاسم المكتوب تحتها وأنا مش مستوعبة.
منى... الطفلة المفقودة التي لم يُعثر عليها أبدًا.
همست مستحيل...
أحمد خطف الملف وبدأ يقلب الصفحات بسرعة.
كل صفحة كانت بتزود الرعب.
محاضر قديمة.
قصاصات جرائد صفراء.
صور لمستشفى نفس المستشفى اللي ولدت فيها.
وشهادات تحقيق اتقفلت ضد مجهول.
لكن أغرب حاجة كانت في آخر الملف.
شهادة ميلاد.
الاسم منى حسن عبدالعزيز.
نفس اسمي بالكامل.
لكن تاريخ الميلاد كان قبل تاريخ ميلادي الحقيقي بسنتين.
سكتنا.
ولا واحد فينا عرف ينطق.
وفجأة سمعنا صوت حركة برا الغرفة.
صوت خطوات.
حد كان واقف خلف الباب.
أحمد جرى بسرعة وفتحه.
لكن الممر كان فاضي.
إلا من ورقة مطوية على الأرض.
التقطها.
فتحها.
وكان مكتوب فيها جملة واحدة
لو عايزين الحقيقة كاملة... اسألوا أم منى.
رجعنا البيت وإحنا في حالة صدمة.
أمي كانت قاعدة كعادتها مع حفيدتها.
بتلعب معاها وتضحك.
لكن أول ما شافت الصورة القديمة في إيديها...
اللون اختفى من وشها.
الكوباية وقعت من إيدها واتكسرت.
هنا عرفت.
عرفت إنها تعرف.
قعدت قدامها.
وحطيت الصورة على الترابيزة.
وقلت بهدوء
مين دي؟
إيديها بدأت ترتعش.
وعينيها دمعت.
وقالت بصوت مكسور
سامحيني.
قلبي وقع.
سامحيني على إيه؟
بكت.
بكاء عمره عشرات السنين.
ثم قالت
أنتِ مش بنتي.
الأوضة كلها اتجمدت.
حتى أحمد اتسمر مكانه.
وأمي كملت وهي منهارة
من تمانية وعشرين سنة... كنت فقدت بنتي بعد الولادة بساعات. قالولي إنها ماتت.
دموعي نزلت دون إرادة.
لكنها أكملت
وفي نفس الليلة سمعت صوت طفل بيعيط في جناح تاني. طفلة محدش جه يسأل عليها... ولا حد عرف أهلها.
شهقت.
قالت
أخدتها... وربيتها.
سكتت لحظة.
ثم أضافت
كنت خايفة تتاخد مني.
المفاجأة كانت أقسى من أي شيء مر علينا.
لكن قبل ما نكمل الكلام...
رن جرس الباب.
رنّة طويلة.
مرعبة.
كأن صاحبها مستعجل.
فتح أحمد الباب.
ولقى ست كبيرة في السن واقفة.
في إيديها حقيبة جلد قديمة.
وأول ما شافتني...
انهارت في البكاء.
وقالت
أنا بدور عليكي من سبعة وعشرين سنة.
ثم أخرجت صورة صغيرة من الحقيبة.
صورة لطفلة رضيعة ملفوفة ببطانية وردية.
وعلى البطانية كان مطرز اسم واحد فقط
منى.
وفي اللحظة دي، عرفت إن الحقيقة اللي كنت بدور عليها طول عمري...
لسه ما بدأتش تظهر الست كانت بتبكي بطريقة خلت قلبي ينقبض.
مسكت الصورة بإيد مرتعشة.
بصيت فيها.
ثم بصيت لها.
كان في حاجة غريبة جدًا في ملامحها.
حاجة مألوفة.
نفس شكل العينين.
ونفس الانحناءة الخفيفة في طرف الشفايف.
كأن الزمن كبر نسخة مني عشرات السنين ووقفها قدامي.
أمي... أو الست اللي ربتني طول عمري... كانت قاعدة على الكرسي وبتعيط في صمت.
أما الست الغريبة فقالت
اسمي سعاد.
ثم مدت إيدها ناحيتي.
وأعتقد إني أمك الحقيقية.
الأوضة كلها غرقت في صمت ثقيل.
لكن قبل ما حد يتكلم...
قالت جملة قلبت الموقف كله
بس أنا مش جاية علشان آخدك.
رفعت رأسي باستغراب.
كملت
أنا جاية أحذرك.
شعرت بقشعريرة في جسمي.
أحذرني من إيه؟
فتحت الحقيبة القديمة.
وأخرجت دفتر صغير.
أوراقه مصفرة من الزمن.
وقالت
في ناس كانت فاكرة إن موضوع الأطفال اللي اختفوا زمان انتهى... لكنه ما انتهيش.
أحمد قرب منها بسرعة.
إيه علاقة ده بمنى؟
فتحت الدفتر على صفحة معينة.
وكان فيها أسماء وتواريخ.
وأمام بعض الأسماء علامة حمراء.
لكن الاسم الأخير في القائمة خلى الدم يتجمد في عروقي.
منى.
اسمي أنا.
همست
إيه ده؟
سعاد بلعت ريقها.
وقالت
قائمة الأطفال اللي اختفوا في ظروف غامضة في السنين دي.
أحمد قال بعصبية
بس منى موجودة أهو.
هزت رأسها.
أيوه... لكنها كانت آخر طفلة اختفت وما حدش عرف مصيرها.
ثم أضافت
لحد دلوقتي.
في اللحظة دي رن هاتف أحمد.
رقم مجهول.
رد وهو متوتر.
وفجأة شحب وجهه.
قلت بقلق
في إيه؟
أنزل الهاتف ببطء.
وقال
المستشفى اتصلت.
قلبي انقبض.
خير؟
أجاب بصوت متقطع
عايزين نشوف بنتنا فورًا.
قفزت
ليه؟!
سكت ثواني.
ثم قال
وصلتهم نتائج مراجعة قديمة للملفات... وبيقولوا إن في معلومة خطيرة تخص يوم ولادتها.
سعاد أغمضت عينيها وكأنها كانت متوقعة المكالمة.
ثم همست
إذن هم عرفوا أخيرًا.
نظرت لها بصدمة.
عرفوا إيه؟
لكنها لم ترد.
فقط نظرت إلى ابنتي الصغيرة