اخويا عنده متلازمة داون
وذهب قيمته مية وخمسين ألف... دي فلوس مش من حقي.
الحاج عبد الفتاح ساب القلم من إيده، وضهر استند لورى على الكرسي. عينيه اتوسعت واستغراب شديد اترسم على وشه يعني إيه مش من حقك؟ الفلوس دي بتاعة مين؟
رديت ونفسي مقطوع ودموعي نازلة دي عمولات وأظرف أخدتها من الموردين والمقاولين خلال السنتين اللي فاتوا علشان أعدي فواتير وأسهل شغل... أنا خنت الأمانة يا فندم، وأنا جاي النهارده أحط الفلوس دي تحت رجليك، وتعمل فيا اللي أنت شايفه صح. عاوز تبلغ الشرطة أنا جاهز ومستعد أتسجن، بس المهم أطهر نفسي وعيالي من الذنب ده.
المكتب ساد فيه صمت رهيب. صمت يوجع الأذان. الحاج عبد الفتاح فضيل باصص لي لفترة طويلة جداً، ملامحه كانت متجمدة ومفيهاش أي تعبير. وبعد يجي خمس دقايق كاملين من السكوت الساقط زي المطر، فتح الشنطة وبص فيها، وبعدين قفلها تاني وبص لي وقدم جسدُه لقدام وقال
نعيم... الموردين دول إحنا كنا شاكين فيهم من فترة، والمدير الجديد بتاعك إحنا بنحقق معاه اصلاً في اختلاسات كبيرة وهنخليه يتكلبش الأسبوع الجاي. بس أنت... محدش كان كاشفك يا نعيم. أوراقك كُلها كانت مظبوطة ومتقفلة بالمسطرة، ومحدش كان هيقدر يثبت عليك مليم واحد. إيه اللي جابك تعترف برغبتك وتستسلم كده؟
مسحت دموعي وقلت له بكسرة ربنا كشفني يا حاج... كشفني عن طريق أنضف وأطهر خلق الله، أخويا الصغير اللي عنده متلازمة داون. أخويا اللي بيشم نجاسة الحرام في البيوت. أنا مش مستعد أخسر آخرتي وأكل عيالك نار عشان كام الف جنيه. الفلوس اهي، وأنا تحت أمرك.
الحاج عبد الفتاح قام من على كرسيه، ومشي بالراحة لحد ما وقف قدامي. حط إيده الكبيرة على كتفي، وبص في عيني بنظرة اختلفت تماماً... كانت نظرةفيها تقدير واستغراب في نفس الوقت. تنهد وقال بصوت هادي
أنا لو بلغت عنك الشرطة يا نعيم، القانون هيحبسك... بس ربنا قبِل توبتك خلاص. والراجل اللي يرجع لعقله
أنا ما صدقتش اللي سمعته. انحنيت وبست إيده من كتر الفرحة والامتنان ربنا يسترك يا حاج عبد الفتاح... ربنا يبارك لك في صحتك وعيالك يا رب، والله العظيم عمري ما هحط جنيه حرام في جيبي تاني لو موت من الجوع!
البيت الجديد والقلب النظيف
خرجت من الشركة وحاسس إن الهوا اللي في الشارع له طعم تاني خالص. حاسس إن صدري اتوسع، وإن الأرض اللي بمشي عليها متشالة تحت رجلي براحة.
رجعت البيت، بعنا كل حاجة كُنّا شاريينها بفلوس الحرام دي أو بالبواقي بتاعتها. رجّعنا البيت زي ما كان زمان... بساطة كاملة، أكل على قد الحال، جبنة وعيش وفول وثوم، بس اللقمة طالعة من عرق جبيني، مية بالمية حلال صافي ميهوش شائبة.
البيت مابقاش فيه معطرات غالية ولا بخور بالشيء الفلاني. بقت ريحته ريحة النضافة العادية... ديتول رخيص، وصابون غسيل، والشبابيك مفتوحة ليل ونهار بتدخل شمس ربنا ونسمة الهوا الصافية.
مراتي سمر كانت طايرة من الفرحة، رغم إننا رجعنا للفقر والمشقة، بس وشهى كان منور بحد راحة البال. العيال بقوا يأكلوا اللقمة وهم بيلعبوا وبيضحكوا، وأنا بقيت أنام الليل طالع نازل من غير ما أصحى مرعوب من كابوس ولا خايف من بكرة.
يوم الاختبار العظيم
عدى أسبوعين على الموضوع ده. أسبوعين وأنا بتعلم بعيش بالقرش الحلال الصافي، وبروح شغلي الجديد بخلص فيه بضمير وأمانة تجيب شقى اليوم.
في يوم جمعة، وقفت بعد الصلاة وقلت لمراتي سمر أنا هكلم أمي وأقول لها تجيب نصر وتيجي تتغدى معانا.
سمر بصت لي بخوف
رديت عليها وأنا واثق وببتسم بكسرة رضا لا يا سمر... لو نصر قال إن البيت فيه ريحة وحشة تاني، يبقى أنا لسه مطهرتش، ويبقى لسه فيه حاجة حرام في بيتي وأنا مش واخد بالي. نصر هو الميزان بتاعنا... هاتيه وتعالي ونشوف ربنا راضي عنا ولا لأ.
اتصلت بأمي وقلت لها يا أمه... وحشتيني أوي، خدي نصر في إيدك وتعالوا اتغدوا معايا النهارده. سمر عاملة أكل بسيط على قدنا بس من قلبنا.
أمي في الأول كانت مترددة وبتتأسف يا بني بلاش، أخوك نصر أنا خايفة يضايقك تاني ولا يقول كلام يزعل مراتك... أنت عارف ظروفه يا نعيم.
مسكت نفسي وقلت لها برجاء عشان خاطري يا أمي... تعالوا، والله العظيم مش أزعل، البيت بيتكوا ونصر ده البركة اللي عايشين بفضلها.
لحظة الحقيقة
ساعة زمن، ورن جرس الباب.
فتحت الباب بقلب بيلعب بين ضلوعي. كانت أمي واقفة، وجنبها نصر.
نصر كان لابس قميصه الأزرق النظيف، ومسرح شعره، ووشه الصافي الملاكي كان هادي. بس أول ما وقفت عند عتبة الباب، نصر اتسمر مكانه.
أمي بصت لي بخوف وضغطت على إيده. نصر رفع راسه لفوق... وبدأ يتنفس ببطء شديد.
شم الهوا مرة... ويكشر...
شم الهوا تاني... ويتنفس بفركة في مناخيره...
أنا وسَمَر كُنّا واقفين ورا الباب محبوسة أنفاسنا. قلبي كان بيبصق دقاته في زوري من كتر الخوف. هل لسه فيه حرام؟ هل نسيت حاجة؟ هل ربنا ما قبلش توبتي؟
نصر قرب خطوة جوة الصالة... وغمض عينيه... وأخد نفس عميق أوي من الهوا...
وفجأة... وشه اللي كان مشدود ومكشر، انفرطت فيه ابتسامة زي شمس الصبح لما تطلع وتشق الضلمة! سنانه البيضا ظهرت، وعينيه اتملت بريق وفرحة مش طبيعية!
ضحك ضحكته الصافية اللي بتهز الحيطان، وجري عليا بلهفة وشوق، وحضنني بقوة شديدة وهو بيلف بيا في الصالة ويصرخ بصوت مالي البيت كلّه بهجة وفرح
الله
الدموع انفجرت من عيني زي السيل. وقعت على ركبي في نص الصالة، وحضنت نصر بقوة، وبست راسه وإيديه ورجليه وأنا بنتحب بصوت عالي وبقول له
نضفته يا نصر... نضفته ببركتك يا روح أخوك! نضفته بفضل ربنا وبصيرتك يا أنضف خلق الله!
أمي وقفت مذهولة مش فاهمة حاجة، والدموع في عينيها من فرحة نصر، وسمر مراتي قعدت على الأرض وهي بتبكي وبتحمد ربنا وتشكره.
نصر قعد جنبي على الأرض، ومسك وشي بكفوفه الصغيرة، ومسح دموعي بإبهامه وقال لي بابتسامة حنونة خلاص يا نعيم... ما تبكيش، الأكل ريحته حلوة أوي النهارده... يلا ناكل!
قعدنا كلنا على الترابيزة. حطينا أكل بسيط جداً... فول وطعمية وبطاطس محمرة وعيش بلدي وطماطم. بس اللقمة كان ليها طعم تاني خالص... طعم الحلال الصافي اللي مفيش معاه خوف ولا خزي. نصر كان بياكل بمنتهى الفرحة والشهية، وبيضحك ويهزر معانا، والبيت اللي كان دايماً كئيب ومخنوق، اتملى بنور وراحة بال ما تتوصفش
بكلمات.
الدرس الخالد
من اليوم ده، وحياتي اتغيرت تماماً. عرفت إن ربنا سبحانه وتعالى لما بياخد من حد حاجة في الدنيا زي القدرات الذهنية العادية، بيدي له قصادها بصيرة نورة بتشق ضلمة القلوب وتشوف اللي البشر العاديين بيعموا عنه.
نصر ما كانش مجرد أخ عنده متلازمة داون ولا مريض... نصر كان الملاك الحارس اللي ربنا بعته لي في الوقت المناسب، عشان ينتشلني من طريق الحرام والهلاك قبل ما يفوت الأوان.
بيتي كبر ورزقي بقى قليل بالأرقام، بس مبروك ومكفينا وزايد. والمرتب اللي باخده بعرق جبيني بقى يفيض منه ونعمل منه خير كمان. وكل ما يجيلي شيطان الطمع في يوم من الأيام، أفتكر بس جملة نصر وهو بيهمس في ودني على أول الشارع نضف قرشك يا نعيم... نضف بيتك! وأرجع أستغفر ربنا وأبوس إيد أخويا الطيب