اخويا عنده متلازمة داون
واطي ومبحوح كأنه طالع من المقابر شيلي الأكل ده يا سمر... شيلي الأكل كله وما تاكليش منه أنتِ ولا العيال... ارميه في الزبالة.
سمر اتصدمت وبصت لي بذهول ترميه؟! ارمي صينية البطاطس واللحمة اللي مكلفة الشي الفلاني؟ ليه يا نعيم؟ الأكل ماله؟ فيه حاجة بايظة وأنا مش واخدة بالي؟
ما ردتش عليها. سيبتها واقفه مذهولة ودخلت الأوضة وقفت الباب بالمفتاح عليا.
قعدت على طرف السرير، وحطيت رأسي بين إيديا. ذكريات السنتين اللي فاتوا بدأت تتجمع قدام عيني زي الشريط السريع في سينما مهجورة.
أنا بشتغل محاسب في شركة مقاولات واستيراد كبيرة. طوال عمري شغال بلقمتي الحلال، أطلع من بيتي الصبح أرجع بالليل مش شايل غير القرش الطيب اللي طالع بفقر وعرق. بس من سنتين، مدير الحسابات القديم أخد مكافأة نهاية الخدمة ومشي، والشركة جابت مدير جديد... راجل أملس، كلامه معسول وعينيه بترمُش بسرعة كأنه بتدبّر لمصيبة. الراجل ده مسكني ملفات المشتريات، وفواتير الموردين، وعمولات المقاولين.
في الأول، كانت بتتعرض عليا هدايا بسيطة. مقاول ييجي يقول لي يا أستاذ نعيم، مشي لي الفاتورة دي بسرعة، والنسبة دي مظبوطة بس مشيها وأناظبطك.
أرفض وأخاف وأقول لا يا فندم، أنا بربّي عيالي بالحلال.
يقوم يضحك ويقول لي حلال إيه يا أستاذ؟ دي مش سرقة ولا اختلاس! دي عمولة وإكرامية من جيبنا إحنا، والشركة كدة كدة كسبانة ملايين ومحدش مضرور! أنت أولى بالقرشين دول عشان تستر نفسك وتعيش عيالك بدل المرمطة اللي أنت فيها.
شوية بشوية... الشيطان لقي الباب الموارب فزقه بأيديه الاتنين. النفس أَمّارة بالسوء، والاحتياجات كترت، والعيال كبرت ومتطلباتهم زادت. قلبي بدأ يقسى، والخوف اللي كان بيرعشني
بدأت أدخل القرش الحرام وسط قرشي الحلال. اشتريت العفش الجديد، ودمست الشقة بالدهانات الغالية، وغيرت السجاد، وبقيت أشتري معطرات وبخور بالشيء الفلاني... كنت فاكر إني بنضف بيتي وبخليه فل، وأنا في الحقيقة كنت بغرقه في عفانة السحت!
البخور الغالي اللي كنت بولعه علشان يداري، والديتول والكلور اللي مراتي كانت بتمسح بيهم الشقة كل يوم... كل ده ما كانش قادر يغطي على ريحة الحرام اللي طالعة من اللقمة اللي بدخلها في بطن ولادي!
نصر... أخويا اللي الناس منطقتنا بيتحسروا عليه ويقولوا مريض داون... طلع أذكانا وأصفانا كلنا. قلبه الفطري النظيف اللي ما اتلوثش بالطمع والدنيا، كان بيشم اللي العقول المريضة مش قادرة تحسه. كان بيشم نجاسة الحرام اللي ملغمة في حيطان البيوت وعلى الترابيزات!
ليلة المواجهة مع النفس
قعدت على الأرض وبكيت. بكيت بكا عمري ما بكيته في حياتي، بكا راجل حس إنه ضاع وخسر دينه ودنياه في لحظة. كنت بنتحب وصوتي مكتوم عشان العيال ما يسمعوش.
الباب اتخبط بشويش، وصوت سمر مراتي جاني من وراه نعيم... افتح يا نعيم الله يخليك، أنت تقلت قلبي، فيه إيه؟
قمتفتحت الباب. أول ما شافت وشي والدموع مغرقة دقني، شهقت وحطت إيدها على بقها يا لهوي يا نعيم! مالك يا ابن الناس؟ حد من أهلك جرى له حاجة؟ أمك كويسة؟
مسكتها من إيدها وقعدتها على السرير جنبي. بصيت في عينيها قلت لها سمر... الأكل اللي على الترابيزة ده... والشاشات اللي على الحيطان.
سمر اتسمرت مكانها، عينيها اتوسعت بذهول وقالت حرام؟! يعني إيه حرام؟ أنت بتسرق يا نعيم؟
حكيت لها كل حاجة من الألف للياء. حكيت لها عن المدير الجديد، وعن العمولات والمبالغ اللي بقيت ألمّها من ورا فواتير المقاولين، وعن القرش اللي دخل بيتنا وبقى يتصرف على اللقمة واللبس. وفي الآخر، حكيت لها اللي نصر قاله لي في ودني على أول الشارع.
سمر فضلت ساكتة فترة طويلة. الدموع بدأت تنزل من عينيها ببطء، بس مش دموع ضعف... كانت دموع صدمة وألم. مسحت دموعها بكف إيدها، وبصت لي بنظرة عمري ما هنساها، وقالت بصوت صارم وواضح
أنا اتجوزتك يا نعيم وأنت حيلتكش غير هدومك اللي عليك. عشنا أيام سودا، وأيام مكناش بنلاقي فيها حق العيش الناشف، وعمري ما فتحت بقي ولا قلت لك هات لي ولا أعمل لي. أكل عيش حاف مع راجل بيتقي الله، وأنام على البلاط وأنا مرتاحة البال، ولا إنك تطعمني أنا وعيالك من حرام نتحاسب عليه قدام ربنا! نصر ربنا ما بعتوش يكسفك يا نعيم... نصر ربنا بعتهولك نجدة وطوق نجاة من السما قبل ما تقابل ربنا بالذنب ده وتتدمّر حياتك وحياة عيالك!
كلام سمر كان زي البلسم اللي نزل على جرحي بس في نفس الوقت كان بيزيد من إحساسي بالذنب.
سألتها نعمل إيه يا سمر؟ الفلوس دي كتيرة... والشركة كبيرة، ولو اتعرفت هروح في داهية وأتسجن!
ردت عليا بثبات تتسجن في الدنيا ولا تتسجن في نار جهنم؟ الفلوس دي تتجمع، واللي تقدر ترجعه ترجعه، والشقة دي تتطهر... حتى لو هنبيع العفش والذهب ونقعد على الحصيرة تاني!
رحلة التطهير والتوبة
في الليلة دي، ما جانيش نوم. فضلت قاعد على المصلاية لحد الفجر. أستغفر ربنا وأبكي، وأصلي ركعتين
أول ما الشمس طلعت، فتحت الخزنة الصغيرة اللي كنت مخبي فيها الفلوس اللي جمعتها من العمولات. حطيت المبالغ كلها في شنطة أسود كبيرة. طلعت كمان الذهبات اللي كنت شاريها لمراتي من القرش ده، وسمر قلعت غوايشها وسلسلتها وحطتهم في الشنطة من غير ما تتردد لحظة واحدة.
نزلت من البيت بدري جداً قبل ما حد من العيال يصحى. أخدت الشنطة ورحت على الشركة. ركبت المواصلات وأنا حاسس إن الناس كلها بتبص عليا، حاسس إن الشنطة اللي في إيدي دي ملغمة وهتفجر في وشي في أي لحظة.
وصلت مقر الشركة. صعدت الدور الأخير حيث مكتب رئيس مجلس الإدارة نفسه... الحاج عبد الفتاح. راجل في الستينيات من عمره، معروف بالشدة والقسوة في الشغل، بس راجل مصلي وبيتقي الله ومحدش يقدر يكسر كلمته.
قعدت في الانتظار بره يجي ساعتين، قلبي كان بيخبط في أضلعي زي الطبلة. كل ما حد يمر من جنبي كنت بحس إنه عارف أنا جاي أقول إيه. وأخيراً، السكرتير قال لي ادخل يا أستاذ نعيم، الحاج عبد الفتاح مستنيك.
دخلت المكتب. كان مكتب ضخم، مفروش بسجاد عجمي فاخر وتابلوهات غالية. الحاج عبد الفتاح كان قاعد ورا مكتبه الأبنوس، بيبص في ملفات قدامه. رفع راسه وبص لي بنظرة حادة وقال
خير يا نعيم؟ السكرتير قال لي إنك عايزني في موضوع ضروري ومستعجل... فيه حاجة في حسابات فرع المشتريات؟
خير يا نعيم؟ السكرتير قال لي إنك عايزني في موضوع ضروري ومستعجل... فيه حاجة في حسابات فرع المشتريات؟
قربت من المكتب بخطوات مرعوبة. حطيت الشنطة السودا على المكتب الأبنوس بحرص، وجمعت كل شجاعتي المتبقية، وقفت وبصيت في الأرض وقلت له
يا حاج عبد الفتاح... الشنطة دي