ابن سرق خزنة العيله واختفى
ابني سرق خزنة العيلة واختفى تلاتة وعشرين سنة. فضلت أكرهه طول عمري تقريبًا، لحد ما بنته ظهرت ومعاها مفتاح وحقيقة خطفت نفسي.
الجزء الأول
أنا بنت ابنك الغايب.
دي كانت أول كلمات قالتها البنت الشابة وهي واقفة قدام بابي، شنطة ظهر قديمة متعلّقة على كتف واحد والخوف مالي عينيها.
كان عندي سبعة وستين سنة، وعايشة لوحدي في شقة صغيرة في حي شبرا. في السن ده، بتتعلم متفتحش الباب لأي حد، بالذات لما الجرس يرن في نص الصبح وانت مش مستني حد.
فتحت الباب حتة صغيرة بس.
وسألتها انتي مين؟
بلعت ريقها بصعوبة.
اسمي مريم. أنا بنت أحمد.
لحظة واحدة، حسيت كأن الأرض اتهزت تحت رجلي.
أحمد.
ابني.
نفس الراجل اللي من تلاتة وعشرين سنة فضّى الخزنة اللي في مطعم أبوه واختفى ومنطقش ولا اتصل بعدها أبدًا.
جوزي، الحاج مصطفى، مات بعد تلات أيام. الدكاترة قالوا أزمة قلبية. بس أنا طول عمري عارفة الحقيقة. قلبه اتكسر لما اكتشف إن ابنه سرق مننا كل حاجة.
كنا بنملك مطعم في وسط البلد اسمه مطعم المصطفى. مكانش فخم، بس كان بتاعنا. جوزي كان بيطبخ، وأنا بمسك الحسابات، وأحمد بيخدم الزباين. لمدة تمنتاشر سنة، حوشنا كل مليم لحد ما قدرنا أخيرًا نشتري المكان.
كان فيه حوالي أربعة مليون ونص جنيه في الخزنة دي.
في صباح يوم، مصطفى دخل المكتب ولقاها مفتوحة.
فاضية.
وأحمد ملوش أثر. أوضته كانت زي ما هي ملمستش، هدومه لسه متعلقة، وجزمته لسه تحت السرير، بس هو اختفى.
مصطفى وقع على الأرض.
ومقامتلوش قومة تاني.
بعت المطعم عشان أدفع مصاريف المستشفى، والجنازة، والديون اللي سابها وراه. بعد كده، اشتغلت في تنضيف البيوت، وغسيل هدوم الناس، وكنت بشتغل بالليل في حسابات المحلات الصغيرة.
وطول الوقت ده، كنت بكره ابني في سرّي.
ودلوقتي واحدة غريبة واقفة قدامي، وبتقول إنها حفيدتي.
مريم قالت بابا مات من شهر. وقبل ما يموت، طلب مني أدور عليكي.
مردتش عليها.
مدت
قالي أديكي ده. فيه مخزن في حدائق القبة. كل حاجة هناك.
كل حاجة إيه؟
مريم بصتلي والدموع في عينيها.
الفلوس. الحقيقة. والسبب اللي خلاه ميرجعش أبدًا.
المفتاح كان قاعد بيننا وكأنه تهديد.
لأكتر من عشرين سنة، كنت متأكدة إن ابني حرامي ومعندوش قلب.
بس الصبح ده، ولأول مرة، فيه حد بيلمّح إن القصة ممكن تكون أوحش بكتير من كل اللي اتخيلته.
ولما وافقت أخيرًا إني أروح المخزن ده، مكنتش لسه أعرف إني على وشك أفتح الباب الأكثر وجعًا في حياتي كلها.
يتبع القصة كاملة اول التعليق مسكت الرسالة بإيديا المرتعشة وكملت القراءة.
عارف إنك يمكن متسامحينيش أبدًا...
وعارف إن غيابي دمرك.
بس قبل ما تحكمي عليا للمرة الأخيرة، افتحي الصندوق الخشبي الصغير.
رفعت عيني وبصيت حواليا.
كان فيه صندوق خشب قديم في الركن.
مريم قربته ليا.
فتحته ببطء.
لقيت جواه عشرات الصور.
صور لأحمد.
في أماكن مختلفة.
وفي سنوات مختلفة.
لكن في كل صورة كان محتفظ بحاجة واحدة...
نسخة من صورة العيلة.
صورتي أنا وأبوه وهو صغير.
كل صورة كانت مهترية أكتر من اللي قبلها من كتر ما اتشالت واتحطت.
حسيت بغصة في قلبي.
الشخص اللي كنت بكرهه طول السنين دي كلها...
كان شايل صورتنا معاه في كل مكان.
تحت الصور كان فيه دفتر صغير.
يوميات.
فتحت أول صفحة.
النهارده عيد ميلاد أمي.
نفسي أكلمها.
بس مقدرش.
صفحة تانية.
سمعت إن أمي باعت المطعم.
أنا السبب.
صفحة تالتة.
لو رجعت دلوقتي محدش هيصدقني.
كل صفحة كانت مليانة وجع.
وجملة واحدة بتتكرر كتير
سامحيني يا أمي.
مريم كانت واقفة جنبي ساكتة.
وبعدين قالت بصوت مكسور
بابا عمره ما اتجوز بعد ماما.
بصيتلها باستغراب.
كملت
كان بيشتغل طول الوقت.
ولما كنت أسأله ليه محتفظ بصورة ست كبيرة في محفظته، كان يقول دي أمي.
دموعي نزلت غصب عني.
بعد كل السنين دي...
اكتشفت إن ابني ما نسيش بيته يوم
وفي آخر درج من الخزانة لقينا ظرف تاني.
كان مكتوب عليه
يفتح بعد وفاتي.
فتحت الظرف.
وكان جواه عقد ملكية.
باسمي أنا.
ومعاه خطاب قصير.
يمكن مقدرتش أرجع المطعم لأبويا.
لكن قدرت أبني واحد جديد.
ولو الرسالة دي وصلتلك، يبقى المطعم ده بقى ملكك.
اسمه مطعم المصطفى.
عشان اسم أبويا يفضل عايش.
ساعتها مقدرتش أقف على رجلي.
قعدت أبكي.
مش على الفلوس.
ولا على المطعم.
بكيت على تلاتة وعشرين سنة ضاعوا بين أم وابنها.
تلاتة وعشرين سنة من الغضب.
ومن الشوق.
ومن الكلام اللي ما اتقالش.
بصيت لمريم.
ومسكت إيدها.
وقلت
من النهارده مالكيش غير بيتك.
مريم حضنتني وهي بتعيط.
وقالت
يعني... سامحتيه؟
بصيت لصورة أحمد.
وابتسمت وسط دموعي.
وقلت
يمكن فات الأوان إني أقوله بنفسي...
بس أيوه.
سامحت ابني.
وفي اللحظة دي...
حسيت لأول مرة من تلاتة وعشرين سنة...
إن الحمل اللي كان فوق قلبي اختفى أخيرًا.
النهاية لكن القصة ما انتهتش عند اللحظة دي.
بعد أسبوعين من اكتشاف المخزن، بدأت أرتب الأوراق اللي سابها أحمد.
كنت فاكرة إني عرفت كل حاجة.
لكن كان لسه فيه سر أخير.
وسط الملفات، لقيت ظرف صغير وقع من بين الأوراق.
مكانش عليه اسم.
ولا تاريخ.
بس كان متقفل بعناية.
فتحته.
ولقيت جواه مفتاح تاني.
ومعاه ورقة مكتوب فيها
لو وصلتي لهنا، يبقى عرفتي الحقيقة كلها تقريبًا... لكن لسه ناقص حاجة واحدة.
تحت الجملة كان فيه عنوان بنك.
ورقم خزنة أمانات.
بصيت لمريم.
هي كمان كانت مستغربة.
تاني يوم رحنا البنك.
الموظف راجع البيانات وبعدين هز راسه.
وقال
الخزنة دي متسجلة باسم أحمد مصطفى.
فتحها قدامنا.
ولوهلة افتكرت إني هلاقي فلوس أو دهب.
لكن اللي لقيناه كان أغلى من أي حاجة.
كان فيه صندوق صغير مليان خطابات.
مئات الخطابات.
كلها متعنونة ليا.
كل سنة كان بيكتبلي جواب.
كل عيد.
كل رمضان.
كل عيد ميلاد ليا.
كل مناسبة كان يفتكرني فيها.
لكن عمره ما
مسكت أول خطاب.
وكان مكتوب فيه
يا أمي...
النهارده أول رمضان وأنا بعيد عنك.
عارف إنك زعلانة.
ولو كنت مكانك كنت هكرهني أنا كمان.
وفي خطاب بعده
النهارده كملت سنة من غير ما أشوفك.
وخطاب بعده
النهارده عشر سنين.
وخطاب بعده
يمكن عمري ما أقدر أصلح اللي اتكسر.
كل جواب كان جزء من عمره.
وجزء من عمري أنا كمان.
قعدت ساعات أقرأ.
وأبكي.
وأضحك أحيانًا.
لأني كنت بتعرف على ابني من جديد.
بعد كل السنين دي.
وفي آخر خطاب خالص.
الخطاب اللي كتبه قبل وفاته بأيام.
قرأته بصوت عالي.
يا أمي...
لو بتقري الرسالة دي، يبقى أنا مش موجود.
مفيش يوم عدى من غير ما أفتكرك.
ومفيش يوم بطلت أدعي فيه إن ربنا يطول في عمرك.
أنا خسرت سنين كتير.
لكن نفسي حاجة واحدة بس...
متعيشيش باقي عمرك حزينة بسببي.
افتحي باب قلبك لمريم.
هي أحسن حاجة عملتها في حياتي.
ولو سامحتيني يوم...
ابقي افتكريني وأنا الولد الصغير اللي كان بيجري في المطعم وبيستخبى وراكي لما يزعل.
وقفت عن القراءة.
ماقدرتش أكمل.
لأن الدموع كانت مغرقة الورق.
مريم حضنتني.
وأول مرة من سنين طويلة...
ماحسيتش إني لوحدي.
مرت الشهور.
وبدأنا أنا ومريم نشتغل سوا في مطعم المصطفى الجديد.
والزباين كانوا دايمًا يسألوا عن الصورة الكبيرة المعلقة على الحائط.
صورة شاب بيبتسم.
كنت أبص للصورة وأقول
ده ابني أحمد.
وبعدين أضيف بابتسامة هادية
اتأخر كتير...
بس رجع لبيته في الآخر.
ومن يومها، بقى عندي حفيدة.
وعيلة.
وسلام كنت فاكرة إني مستحيل ألاقيه تاني.
وأدركت إن بعض الجروح بتفضل سنين طويلة مفتوحة...
لكن الحقيقة، حتى لو وصلت متأخرة،
تقدر أحيانًا تشفي قلب اتوجع عمر كامل. بعد سنة كاملة من افتتاح مطعم المصطفى من جديد، بدأت أحس إن الحياة أخيرًا رجعت تمشي بهدوء.
مريم بقت زي بنتي بالضبط.
البيت اللي كان ساكت طول السنين، بقى فيه ضحك وحركة.
لكن في ليلة شتوية هادية، حصل شيء
كنا بنقفل المطعم.
لقيت راجل كبير واقف عند الباب.
شعره أبيض.
وعكازه في إيده.
واقف وبيبص على صورة أحمد المعلقة على الحيطة.
بصيتله وسألته
أقدر أساعدك؟
الراجل اتنهد.
وقال
أنا اللي جيت أطلب