يوم فرحي بقلم انجي الخطيب
وهو بيترعش، وخرج من باب الشقة من غير ما يجرؤ يرفع عينه فيا.. قفل الباب وراه، والبيت فجأة فضي.. فضي من ريحتهم، ومن غلهم، ومن الكتمة اللي كانت كاتمة على نفسي.
الحاج صالح التفت ليا، ملامحه الحادة اتحولت لطيبة وأبوة، وقالي بنبرة هادية
متخافيش يا بنتي، طول ما فينا نفس مش هنسيبك.. حقك وذهبك هيجوا لحد عندك، والكلب ده هيطلقك وتطلعي من الليلة دي كسبانة وراسك فوق.. إحنا أهلك يا منى، وافتكري إن أبوكي الله يرحمه كان راجل طيب وعمره ما ساب حد في ضيقة، وربنا من فوق مبيسبش حد واكل حق يتيم.
هزيت راسي بامتنان، ودموعي نزلت.. بس المرة دي كانت دموع راحة، دموع نصر. شكرتهم وودعتهم لحد باب الشقة، وقفت وقفلت الباب وراهم بالمفتاح والترباس.
لأول مرة من شهور أحس إن الهوا اللي داخل في صدري نضيف.. بصيت للشقة، شقة بابا وماما.. كأن روحهم رجعت تطبطب عليا وبتقولي عفارم عليكي يا بنتي.. صنتي بيتنا وصنتي نفسك. مشيت خطوتين ووقفت قدام مراية الصالة، صلحّت شعري، وابتسمت لنفسي في المراية.. الابتسامة دي مكنتش غامضة ولا حزينة، دي كانت ابتسامة البداية الجديدة.. البداية اللي مفيهاش مكان لكسرة النفس تاني أبداً.
.
قعدت على الكنبة، وفردت ضهري لأول مرة من غير ما أكون خايفة من دخلة حد عليا، ولا مستنية كلمة تسمّ البدن من حماتي، ولا نظرة برود من أحمد. البيت كان هادي.. هدوء جميل ومريح، كأن الحيطان نفسها كانت مكتومة وبدأت
عدت الأيام، ومفوتش أسبوع والتاني إلا وكان الحاج صالح جايبلي حقي تالت ومتلت. جابلي دهبي كله لغاية عندي بعد ما عمل قعدة عرب في المنطقة مسح بكرامة أحمد وأهله الأرض، وخلاهم يمضوا على وصل أمانة بقيمة كل حاجة أخدوها مني، وورقة طلاقي وصلتني لحد باب البيت، مرفوعة الراس ومفيش مخلوق قدر يكسر عيني.
في يوم، كنت نازلة أشتري طلبات للمطبخ، لقيت حماتي وأخت جوزي.. أقصد طليقي.. واقفين عند أول الشارع بيتكلموا مع جارتنا. أول ما عيني جت في عينيهم، لقيت الضحكة الخبيثة والجرأة اللي كانوا بيقابلوني بيها اتمسحت تماماً. أخت أحمد حطت عينيها في الأرض ولفت وشها الناحية التانية، وحماتي جيت تفتح بوقها عشان تلقح بكلام، بصيتلها من فوق لتحت بنظرة برود وثقة خلت الكلمة تقف في زورها. مشيت من جنبهم وراسي في السماء، وسامعة جارتنا بتقولهم بصوت واطي بس بس.. دي وراها رجالة المنطقة كلها، بلاش مشاكل معاها لتروح للحاج صالح.
ضحكت من جوايا.. ضحكت لأن الدنيا دارت بسرعة أسرع مما كنت أتخيل، وعرفت إن اليتيم مش اللي ملوش أب وأم، اليتيم هو اللي ملوش كرامة ولا ضهر يحميه، وأنا ربنا بعتلي ضهري وسندي في الوقت المناسب.
رجعت الشقة، دخلت المطبخ وفتحت الشبابيك عشان الهوا والشمس يدخلوا يطردوا أي طاقة سلبية سابوها وراهم. طلعت تليفوني ومسحت كل الأرقام اللي تخصهم، ومسحت صور الفرح الكئيب اللي كنت فاكراه ليلتي.. وبدأت أرتب
..
مرت سنة كاملة على اليوم اللي غير حياتي. الشقة اللي كانوا عايزين يطردوني منها، بقيت أنا صاحبتها الآمرة الناهية فيها، غيرت ديكورها كله، دهنت الحيطان بألوان مبهجة تفتح النفس، وشيلت كل ركن كان بيفكرني بأيام الكسرة والهم.
نزلت اشتغلت في حضانة قريبة من البيت، وبقيت بكمل تعليمي المفتوح اللي كنت مأجلاه عشان خاطر أحمد وأهله.. قررت إن قيمتي مش هتيجي من راجل يسترني، قيمتي هتيجي من شهادتي وشغلي وكياني اللي هبنيه بنفسي.
وفي يوم جمعة، وأنا نازلة أزور قبر بابا وماما عشان أقرا ليهم الفاتحة وأقولهم إن بنتهم بقت قوية ومحدش قادر عليها، لقيت الست أم أحمد قاعدة على دكة قدام بيتهم.. شكلها كان غريب، وشها دبلان، والجلابية اللي لابساها قديمة، ومفيش في إيدها غوايش الذهب اللي كانت بتتباهى بيها وتتمنظر قدام الناس.
أول ما شافتني، وقفت بسرعة وجريت عليا، وعينيها كانت مليانة دموع.. مكنتش نظرة اللؤم والشر بتاعة زمان، كانت نظرة انكسار حقيقية. وقفت قدامي وقالت بصوت مرعوش ومبحوح
منى.. إزيك يا بنتي؟ عاملة إيه؟
بصيتلها ببرود تام، ومردتش.. فضلت واقفة مكاني مستنية أشوف آخرتها
سامحيني يا بنتي.. الله يجازيكِ كل خير سامحيني.. الدنيا دارت بينا وربنا انتقم مننا أشد انتقام. أحمد اتجوز واحدة تانية زي ما كنت عايزة، بس طلعت حرباية.. أخدت منه كل حيلته، وخلته يمضي على شيكات وودته في داهية، ودلوقتي هو محبوس بسببها، وأخت أحمد اتطلقت ورجعتلي بفضائحها وعيالها.. البيت اتهد علينا يا منى من يوم ما ظلمناكي.. دعواتك صابتنا ومبقيناش ملاحقين على المصايب.
كنت سامعة كلامها وقلبي مفيش فيه أي شماتة، بس في نفس الوقت مفيش فيه نقطة تعاطف واحدة. افتكرت يوم فرحي ودموعي اللي نزلت في صمت، افتكرت كسرة نفسي في المطبخ وأنا سامعاهم بيخططوا لطردي.. بصيتلها وقولت بمنتهى الهدوء
أنا لسه بروح للغاليين يا طنط.. وفي كل سجدة وفي كل وقت، مكنتش بقول غير حسبي الله ونعم الوكيل.. والوكيل مبيضيعش حق حد. ربنا يديكوا على قد نيتكم.. عن إذنك.
سبتها واقفة بتعيط وبتندم في مكانها، ومشيت.. مشيت ورجلي ثابتة في الأرض، ومبصتش ورايا ولا خطوة. عرفت ساعتها إن العدالة الإلهية مابتتأخرش، وإن اللي يظلم يتيم ويسرق فرحته، لازم يشرب من نفس الكأس ولو بعد حين.
كملت طريقي وأنا حاسة بسلام داخلي عمري ما حسيته قبل كده.. أنا منى، عندي 22 سنة، صحيح يتيمة ومليش أهل، بس عندي رب كريم، وعندي كرامة تسوى الدنيا كلها.. وقصتي اللي بدأت بدموع وكسرة، انتهت وأنا واقفة على رجلي، قوية، حرة، وبضحك للدنيا والدنيا
تمت