مراتي خياطه حكايه بسمه

لمحة نيوز


لكن قلبي وقتها كان حجر.
واتجوزت فعلًا.
وفي البداية افتكرت إني كسبت.
بيت أكبر.
فلوس أكتر.
وحياة جديدة.
لكن الغريب إن الراحة ما جاتش أبدًا.
كل نجاح كنت أوصل له
كنت أحس إن فيه حاجة ناقصة.
وحاجة بتطاردني.
لحد ما في يوم من الأيام
بعد 6 سنين كاملة.
رجعت مصر في إجازة قصيرة.
وقررت أزور البيت القديم اللي كنت ساكن فيه أنا وسعاد.
مجرد فضول.
لكن أول ما وصلت
عرفت من الجيران إنها ما عادتش هناك من زمان.
وسألت عنها.
فواحدة من الجارات بصتلي باستغراب وقالت
إنت ما تعرفش؟
قلتلها
أعرف إيه؟
سكتت ثواني.
وبعدين قالت
سعاد بعد ما سبتها حصلها حاجة عمرنا ما توقعناها.
في اللحظة دي
حسيت قلبي وقف.
لكن الصدمة الحقيقية كانت لما مدت إيديها بصورة قديمة وقالت
قبل ما تسمع أي حاجة بص على الصورة دي الأول.
ولما بصيت
اتجمدت مكاني.
لأن الشخص اللي كان واقف جنب سعاد في الصورة
كان آخر
إنسان كنت أتوقع أشوفه
حكايات بسمه 
الصورة كانت لسعاد واقفة بابتسامة نصر، جنبها راجل كان مديري القديم في الشركة اللي كنت شغال فيها قبل السفر!
الست الجارة كملت وهي بتهز راسها بأسى سعاد بعد ما سافرت، فضلت تشتغل خياطة،

بس موهبتها كانت أكبر من كدة بكتير. اتعرفت على الراجل ده، وبدأت تصمم له موديلات، ولما شاف نجاحها، عملها شريكة في دار أزياء كبيرة. دلوقتي سعاد بقت واحدة من أشهر مصممات الأزياء في البلد، وعندها فروع في كل حتة.
وقفت مصډوم، الجارة كملت والأغرب يا أشرف، إنها بعد ما نجحت، اشترت البيت ده، وخلتني أحتفظ بالصورة دي، وقالتلي لو جه أشرف في يوم وسأل، وريه الصورة دي وقوله إن اللي زرع الخير، بيحصد نجاح، واللي بيزرع الجحود، بيحصد فراغ.
حسيت إن الدنيا بتلف بيا. الست اللي كنت فاكر إنها کسيرة ومستنياني أرحمها، كانت بتبني إمبراطوريتها الخاصة في الوقت اللي أنا كنت مشغول فيه بالخېانة والغرور.
حاولت أوصل لرقمها، لقيتني معمولي بلوك من كل حتة. حاولت أروح مقر شركتها، منعوني من الدخول.
وقفت قدام باب دار الأزياء بتاعتها، شفتها خارجة.. كانت ملكة، واثقة، ملامحها اللي كانت دبلانة من السهر على الماكينة، بقت مضيئة بنور النجاح والقوة. بصتلي وهي بتعدي من جنبي، نظرة باردة، نظرة غريب بيشوف غريب، وركبت عربيتها ومسحت بيا الأرض من غير ولا كلمة.
في اللحظة دي، عرفت إن
أكبر خسارة مش الفلوس ولا البيت،
الخسارة هي إنك تبيع الشخص الوحيد اللي كان شايفك بطل في الوقت اللي الكل كان شايفك فيه فاشل.
رجعت لمراتي التانية، نادين، لقيتها في عالم تاني، حياة مادية بحتة، مفيش فيها أي ريحة دفء أو تضحية. اتأكدت وقتها إن سعاد ما كانتش بس مراتي، كانت روح بيتي اللي خرجت منه بمجرد ما خنتها.
رجعتُ إلى حياتي مع نادين، لكن البيت الذي كان يضجّ بالديكورات الفخمة أصبح بالنسبة لي سجناً ذهبياً. في كل زاوية، كنت أرى طيف سعاد. لا، لم تكن سعاد الضحېة، كانت الطموح الذي لم أقدره.
ذات يوم، كنتُ أجلس في مكتبي حين اتصل بي المحامي الخاص بسعاد. لم يكن اتصالاً للټهديد، بل كان اتصالاً رسمياً. أخبرني أن هناك أوراقاً قانونية يجب أن أوقع عليها لإنهاء إجراءات الطلاق بشكل نهائي، وأنها طلبت منه أن يوصل لي رسالة أخيرة.
ذهبتُ للمكتب. كانت الأوراق جاهزة، وقعتُ عليها دون أن أقرأ، فالحبر الذي سيحسم انفصالي عنها كان أقل ألماً من الحبر الذي كتبت به خيانتي لها.
قبل أن أخرج، ناولني المحامي مظروفاً صغيراً وقال سعاد طلبت أن أسلّمك هذا فقط بعد التوقيع.
فتحتُ المظروف في سيارتي. لم يكن فيه أوراقاً أو تهديدات، بل
كانت مفتاح قفلٍ قديم. ومعه ورقة صغيرة مكتوب فيها
هذا مفتاح الصندوق الذي كنا نخبيء فيه مدخراتنا في بداياتنا..
الصندوق الذي كان فارغاً إلا من أحلامنا. أنا أخذتُ الحلم، وتركتُ لك المفتاح.. ابحثْ فيه عن نفسك التي فقدتَها في الطريق.
عدتُ إلى بيتي القديم، ذلك البيت المهجور الذي لم أزره منذ سنوات. فتحت الصندوق الصغير المخبأ خلف حائط المطبخ. لم أجد فيه أموالاً، بل وجدتُ مذكراتي الشخصية التي كتبتها قبل السفر، وقائمة بالأهداف التي وضعتها لنفسي، وصورة لنا في أول يوم في شقتنا المتواضعة.
في تلك اللحظة، أدركتُ الحقيقة القاسېة سعاد لم ټنتقم مني، هي فقط حررتني من الصورة الزائفة التي رسمتها لنفسي. هي لم تسرق مستقبلي، بل تركت لي الماضي لأواجه فيه كل أخطائي.
اليوم، أنا لستُ أشرف الذي سافر وترك زوجته. أنا رجلٌ تعلم أن الخياطة لم تكن مهنة سعاد فحسب، بل كانت قدرتها على خياطة حياتنا، وبما أنني مزقت هذا الثوب، فقد رحلت هي لتخيط لنفسها ثوباً يليق بامرأة لم يكسرها الجحود.
سعاد الآن أيقونة في عالم الأزياء، وأنا بقيتُ أشرف، الرجل الذي تعلم بعد فوات الأوان، أن اليد التي تمدّ لك العون
في فقرك، هي اليد التي لا يجب أن تتركها أبداً في غناك.
تمت.

تم نسخ الرابط