عزمت خطيب بنتي على العشاء
منه شيئًا.
وفي تلك اللحظة تحديدًا
رنّ جرس الباب.
نظرتُ من العين السحرية
فشعرتُ بأن دمي توقف.
كان هو.
الضابط نفسه.
واقفًا وحده.
ويبتسم.
قال من خلف الباب بهدوء
مدام فاطمة لازم نتكلم بخصوص قضية سامي.
همست مريم بخوف
ماما اوعي تفتحي.
لكن الضابط أكمل كلامه بنبرةٍ منخفضة
لأن في حاجات لو ظهرت ممكن تدمّر حياة بنتك للأبد.
هنا فقط
فهمت أن سامي لم يكن الوحش الحقيقي.
كان مجرد واحد من مجموعة.
شبكة كاملة.
تستخدم الفتيات.
تصورهن.
ثم تبيع خوفهن.
وضعتُ يدي على كتف مريم وقلت بهدوء
روحي أوضتك واقفلي الباب مهما سمعتي.
ثم اتجهتُ نحو المطبخ ببطء.
أخرجتُ هاتفي.
وضغطتُ زر التسجيل.
لكن هذه المرة
لم أضع الهاتف تحت السفرة.
بل داخل جيبي مباشرة.
ثم فتحت الباب.
ابتسم الضابط ابتسامةً باردة ودخل دون استئذان.
جلس في الصالون وكأنه يعرف البيت منذ سنوات.
ثم قال وهو ينظر إلى صور مريم المعلقة على الحائط
بنتك جميلة خسارة يحصل لها فضيحة.
قلتُ بثبات
عايز إيه؟
أخرج فلاشة صغيرة من جيبه ووضعها فوق الطاولة.
النسخ الأصلية للفيديوهات عندي.
شعرتُ بمريم تبكي بصمت داخل غرفتها.
أما هو فاقترب أكثر وهمس
القضية ممكن تختفي مقابل إنكم تسكتوا.
ثم ابتسم.
أو نقدر نعتبر إن اللي حصل لسامي
وفي اللحظة نفسها
سمعنا صوتًا خلفه
بس التسجيل ده مش سوء تفاهم.
استدار الضابط بسرعة.
وكانت الصدمة على وجهه لا تُوصف.
لأن الشخص الذي وقف عند باب الشقة
لم يكن شرطيًا.
بل رئيسه المباشر.
وخلفه أربعة رجال من التفتيش الداخلي.
تجمّد الضابط مكانه.
أما أنا
فابتسمت أخيرًا.
ثم رفعتُ هاتفي وقلت
المرّة دي يا حضرة الضابط ما احتجتش أنزل أشوف اللي تحت السفرة.
الوحوش بدأت تطلع فوق الطاولة بنفسها.
ساد الصمت في الصالون لثوانٍ
ثوانٍ ثقيلة لدرجة أنني كنت أسمع صوت عقارب الساعة فوق الحائط.
الضابط نظر إلى رئيسه، ثم إلى الفلاشة فوق الطاولة، ثم إليّ.
ولأول مرة
اختفت الابتسامة من وجهه.
قال رئيسه ببرود
حضرة الملازم، يبدو إن عندك أشياء تشرحها.
حاول الضابط يتماسك، وضحك ضحكة قصيرة متوترة
يا فندم دي ست كبيرة وخايفة على بنتها أكيد فاهمة غلط.
لكن قبل أن يكمل
خرج صوتٌ من هاتفي.
واضح.
حاد.
صوته هو نفسه
النسخ الأصلية للفيديوهات عندي.
ثم
القضية ممكن تختفي مقابل إنكم تسكتوا.
تغير وجهه فورًا.
أما رجال التفتيش الداخلي، فتقدم اثنان منهم نحوه مباشرة.
صرخ فجأة
استنوا! أنتم مش فاهمين!
ثم أشار إليّ بعصبية
هي اللي خربت كل حاجة!
لكن رئيسه اقترب منه ببطء وقال
لا
وفي لحظة واحدة
وُضعت الأصفاد في يديه.
تمامًا كما حدث مع سامي.
لكن قبل أن يخرجوه من الشقة، التفت الضابط نحو مريم التي كانت تقف خلف باب غرفتها بخوف.
ونظر إليها بنظرة مرعبة وقال
فاكرة إن الموضوع انتهى؟
ثم ابتسم ابتسامة خبيثة وأضاف
في ناس أكبر مني.
ورحل.
لكن كلماته بقيت معلقة في البيت مثل الدخان.
بعد تلك الليلة، تحولت القضية إلى فضيحة كبيرة في وهران.
اكتشفوا أن سامي لم يكن أول شاب يستدرج الفتيات ثم يبتزهن.
وكان الضابط يساعده في إخفاء الشكاوى وتهديد الضحايا.
ومع التحقيقات
ظهرت أسماء أخرى.
فتيات كثيرات.
بعضهن صمتن لسنوات.
وبعضهن حاولن الانتحار.
وبعضهن اختفين تمامًا من حياة الناس.
ومريم؟
كانت أول واحدة تكسر دائرة الخوف.
بعد أشهر، طلبت منا الشرطة الحضور للمحكمة مرة أخيرة.
دخلتُ القاعة وأنا أمسك يد مريم.
هذه المرة لم تكن ترتجف.
بل كانت تمشي ورأسها مرفوع.
جلس سامي داخل القفص الحديدي.
وبجانبه الضابط.
لكن المفاجأة
أن سامي لم ينظر إلى مريم أبدًا.
كان ينظر إلى الأرض فقط.
كأن السجن سرق منه كل ذلك الغرور.
أما الضابط، فكان شاحب الوجه كالميت.
وقف القاضي، وبدأ بقراءة الأحكام
السجن الطويل لكل المتورطين.
فصل
وفتح تحقيقات جديدة في قضايا مشابهة.
ثم قال القاضي جملة جعلت القاعة كلها تصمت
الخوف لا يحمي الضحية بل يحمي المجرم.
نظرتُ إلى مريم.
فوجدت دموعها تنزل بصمت.
لكنها لم تكن دموع خوف هذه المرة.
كانت دموع نجاة.
في تلك الليلة، عدنا إلى البيت متعبتين.
دخلتُ المطبخ لأعد الشاي.
ثم لاحظت شيئًا جعلني أتوقف فجأة.
كانت هناك شوكة موضوعة فوق الطاولة.
نفس الشوكة المعدنية القديمة.
تأملتُها طويلًا
ثم بدأت أضحك.
ضحكة خفيفة تحولت إلى بكاء.
دخلت مريم بسرعة وهي خائفة
ماما؟ مالك؟
رفعتُ الشوكة أمامها وقلت
تخيلي قطعة حديد صغيرة كانت السبب إننا نكتشف كل ده.
اقتربت مني مريم.
ثم أخذت الشوكة من يدي بهدوء.
ومشت نحو سلة القمامة.
لكن قبل أن ترميها
توقفت.
ونظرت إليّ بابتسامة صغيرة وقالت
لا يا أمي خليها.
دي مش شوكة.
دي الدليل إنك لما نزلتِ تبصي تحت الطاولة أنقذتِ حياتي.
مرت سنة كاملة.
وفي أحد الأيام، كنت أمشي في الحارة عندما أوقفتني امرأة لا أعرفها.
كانت تمسك يد ابنتها الصغيرة.
قالت لي والدموع في عينيها
أنتِ أم مريم، صح؟
هززت رأسي.
فقالت
قصتكم أنقذت بنتي.
ثم احتضنت ابنتها بقوة وأضافت
علمتيني إن الأم ما تسكتش لما تحس إن في خوف مستخبي.
عدتُ إلى البيت يومها
ونظرتُ إلى صورة زوجي الراحل.
وهمست
اطمّن بنتنا بخير.
ومن غرفة مريم، خرج صوت ضحكتها.
ضحكة حقيقية.
دافئة.
الحمد لله
وصلت أخيرًا لعينيها.