مراتى التانية امانى السيد

لمحة نيوز


تعليمات عن الأكل والرعاية. استغربت، وخرجت أدور على فاتن، لكن ملقتهاش في المطبخ ولا أوضتها، ولما دخلت أوضة النوم، اتصدمت لما لقيت دولابها فاضي تقريبًا، وشنطتها مش موجودة.

جريت على أوضة الولاد، لقيت هدومهم متجمعة في شنط، وكل واحد فيهم قاعد ساكت، ولما سألت ابني الكبير إيه اللي بيحصل هنا؟ مامتك فين؟ بصلي بحزن وقال ماما مشيت يا بابا. حسيت إن قلبي وقع في رجلي، وسألته بعصبية مشيت راحت فين؟
وإزاي تسيب البيت من غير ما تقولي؟ ابني مد إيده وناولني جواب كان محطوط على السرير، وقال قالتلي أديهولك أول ما تيجي. فتحت الجواب وإيدي بتترعش، ولقيت خط فاتن اللي أعرفه كويس، لكن الكلام اللي مكتوب جواه كان كأنه طالع من واحدة تانية، واحدة استحملت كتير لحد ما خلاص مبقاش عندها حاجة تستحملها عشاني.
محمود، أنا مشيت، ومش عايزاك تدور عليا، ولا تحاول ترجعني بكلمتين حلوين زي كل مرة. أنا وافقت أستقبل أم غزل، وكنت عارفة إن ده مش واجبي، لكن قولت أعمل اللي يرضي ربنا، وأساعد ست مريضة مالهاش ذنب في مشاكلنا.
عملت لها كل اللي أقدر عليه، واعتبرتها زي أمي، ومش ندمانة على ده، لكن اكتشفت إن المشكلة عمرها ما كانت في أم غزل، المشكلة فيك إنت. إنت مش شايف غير غزل واحتياجاتها، ومش شايف إن ليك بيت تاني، وولاد مستنيين منك تسأل عليهم، ومرات عاشت سنين بتحاول تعوضهم عن غيابك، لحد ما نسيت إنها هي كمان من حقها تلاقي حد يسأل عليها ويشيل عنها.
إنت كل مرة بتحطني قدام الأمر الواقع، وتستنى مني أوافق، لأنك متأكد إني عمري ما هخذل ولادك، وكنت بتستغل حبي ليهم علشان تريح نفسك من مسؤولياتك. علشان كده، أنا جمعتلك كل حاجة هتحتاجها علشان تعرف تخدم أم غزل بنفسك.
مواعيد دواها مكتوبة جنب سريرها، وطريقة أكلها وكل احتياجاتها هتلاقيها في الورقة اللي جنب الأدوية، وهدومها نضيفة ومحطوطة في الدولاب، وكل حاجة تخصها جاهزة. وفوقيهم ولادك يا محمود. دول محتاجين حد يصحّيهم للمدرسة، ويجهزلهم الفطار، ويتابع مذاكرتهم، ويسألهم يومهم كان عامل إزاي، ويحضنهم لما يزعلوا.

دول مش محتاجين فلوس وبس، دول محتاجين أب، وأنا مش هقدر أفضل أعوضهم عنك طول العمر. أنا مشيت علشان تعبت من إني أكون الزوجة اللي بتشيل كل حاجة، وتتنازل عن كل حاجة، وفي الآخر محدش بيفتكر إنها بني آدمة وليها طاقة وليها قلب.
من النهارده، شيل مسؤوليتك بنفسك، واعرف إن الست اللي كنت ضامن إنها هتفضل مستحملاك مهما عملت، وصلت لمرحلة إنها اختارت نفسها. فاتن. خلصت قراءة الجواب، وفضلت واقف مكاني مش قادر أستوعب. بصيت حواليا، على البيت اللي كان دايمًا مرتب، وعلى شنط الولاد، وعلى أوضة حماتي اللي محتاجة رعاية، وحسيت لأول مرة إن كل حاجة كنت برميها على فاتن رجعت فوق دماغي مرة واحدة.
وفجأة، ابني الصغير قرب مني وشدني من هدومي وقال بصوت مكسور بابا هو ماما مش هترجع تاني؟ أصل أنا وعدتها إني مش هعيط، بس أنا عايزها. بصيتله، وحاولت أتكلم، لكن لساني اتعقد. وفي اللحظة دي، رن موبايلي. كانت غزل.

رديت عليها بصوت مخنوق، فقالتلي محمود، إنت فين؟ أنا محتاجة ماما، ومش عارفة أوصل لها، تليفونها مقفول! ايه رايك اجى اقعد معاكم بصيت للجواب اللي في إيدي، وبعدين بصيت لابني اللي واقف مستني مني إجابة، وأدركت إن فاتن ما سابتليش أم غزل وبس، دي سابتلي كل المسؤوليات اللي كنت بهرب منها، وخلتني لأول مرة أواجه نتيجة اختياراتي بنفسي.
ولأول مرة من سنين، ماكنتش عارف أروح لمين، ولا أطلب من مين ينقذني من الورطة اللي أنا حطيت نفسي فيها. لأن فاتن، المرة دي، ما سابتش البيت علشان تعاقبني سابته علشان خلاص مبقاش عندها استعداد تضحي بنفسها عشاني.
فضلت واقف في نص الصالة، ماسك جواب فاتن في إيدي، ومش عارف أتصرف إزاي، والولاد حواليا كل واحد فيهم بيسألني عن أمه، وأنا مش لاقي إجابة واحدة أقدر أقولها تطمنهم. رديت على غزل اللي كانت لسه بتتكلم في التليفون، وقلتلها بضيق اسمعيني يا غزل، أنا عندي مصيبة هنا ومش ناقص خالص، فاتن مشيت وسابت البيت.
غزل سكتت لحظة، وبعدها قالت باستغراب مشيت راحت فين؟ وإزاي يعني مشيت؟ طب وأمي؟ سابت أمي لمين؟
سابت أمك ليا يا غزل، وسابتلي الولاد كمان،وأنا مش عارف أعمل إيه، لا عارف أتصرف مع أمك ولا عارف أسيب الولاد لوحدهم.
غزل اتنهدت وقالت طب ما تهدى كده، أكيد فاتن زعلانة من حاجة، حاول تكلمها وتفهم منها، وأنا هاجي عندك بكرة ونشوف الموضوع ده.
أول ما سمعت إنها هتيجي، حسيت إن فيه حمل اتشال من على قلبي، وقلتلها بسرعة أيوه يا غزل، تعالي، أنا محتاجك جنبي فعلًا، ومحتاج حد يساعدني في البيت، أنا مش هقدر أعمل كل ده لوحدي.
غزل فهمت كلامي بطريقتها، وافتكرت إني عايزها تيجي علشان فاتن مشيت، وإنها هتلاقي أمها في البيت، وإنها هتقدر تقعد معاها وتخليها تحت عينها، خصوصًا إنها كانت لسه تعبانة من الحمل ومحتاجة الراحة.
قفلت معايا وهي بتفكر إنها أخيرًا هتبقى قريبة من أمها، وإن وجودها عندي هيحل مشاكل كتير.
أما أنا، ففضلت طول الليل أحاول أتصرف.
صحيت الولاد، وجهزتلهم أكل على قد ما قدرت، وبعدها دخلت أطمن على حماتي، وساعدتها تاخد دواها، لكن كنت مرتبك ومش عارف أعمل إيه بعدها.
كل شوية واحد من الولاد يطلب مني حاجة، والتاني يسألني عن أمه، وأنا أعصابي كانت بتفلت مني.
يا بابا، أنا مش لاقي الكراسة بتاعتي!
يا بابا، هو ماما هترجع إمتى؟
يا بابا، أنا جعان!
وفي الآخر صرخت فيهم خلاص بقى! كل واحد يقعد مكانه، هو أنا هتجنن منكم؟!
سكتوا كلهم، وبصوا لبعض، وبعدها ابني الكبير أخد أخوه ودخلوا أوضتهم من غير ما ينطقوا بكلمة.
وقتها حسيت بوخزة في قلبي، لكن كنت تعبان ومش قادر أفكر في أي حاجة غير إني أعدي اليوم بأي طريقة.
تاني يوم، غزل وصلت البيت، وأول ما دخلت سألتني أمي فين؟ عايزة أشوفها.
شورتلها على الأوضة، فدخلت بسرعة، ولما شافت أمها جريت عليها وحضنتها، وفضلت تسألها عن صحتها وعن اللي حصل معاها.
بعد شوية خرجت غزل من الأوضة، ووشها كان متغير من العياط، وقالتلي محمود، إنت إزاي سايب أمي هنا لوحدها؟ مين بيساعدها؟ ومين بيديها دواها؟
بصيتلها باستنكار وقلتلها إنتي بتسأليني أنا؟ ما إنتي جاية علشان تساعديني!
غزل رفعت عينيها ليا وقالت أساعدك في إيه؟ أنا حامل وتعبانة، وإنت بنفسك اللي كنت بتقولي إنك هتتصرف وإن فاتن هتراعي أمي!
أيوه، بس فاتن مشيت، وأنا مش هقدر أعمل كل حاجة لوحدي، عندي ولاد محتاجين رعاية، وعندي أمك اللي مش بتقدر تتحرك، والبيت محتاج يتعمل فيه أكل وتنضيف، وإنتي أهو جيتي، يبقى لازم تساعديني.
غزل فضلت باصة ليّ ثواني، كأنها بتحاول تستوعب الكلام اللي سمعته، وبعدها ضحكت ضحكة عصبية وقالت إنت جايبني هنا علشان أخدم أمك وأخدم ولادك؟!
أمك يا غزل، مش أمي! وبعدين دول ولادي، وأنا مش بقولك تخدميهم، أنا
 

تم نسخ الرابط