رخصه مرور مشيرة محمد

لمحة نيوز

فضلت سايقة الموتوسيكل بأقصى سرعة تسمح بيها الطريق وأنا مشغلة الصفارة والأنوار وبشاور للعربيات إنها توسع
كنت كل شوية أبص في المراية أتأكد إن عربية مروان لسه ورايا وإنه ما اتوهش وسط الزحمة
الغريب إني كنت حاسة إني مش بس بساعد راجل عنده بنت مريضة
أنا كنت بحاول أرد دين في رقبتي من 12 سنة
دين عمري ما نسيته ولا قدرت أنساه مهما عدت الأيام
بعد حوالي عشر دقايق وصلنا لطريق واسع يودينا ناحية المستشفى
وقفت عند إشارة مرور كانت مقفولة والعربيات متكدسة قدامي من كل ناحية
خبطت بإيدي على خوذة الموتوسيكل من الغيظ وأنا ببص على الساعة
اتنين و دقيقة
لسه ربع ساعة على ميعاد البنت
بصيت ورايا لقيت مروان وقف العربية وفتح الباب ونزل منها
جري ناحيتي وهو بيقول بصوت مخنوق
يا حضرة الظابط أرجوكي أنا مش قادر أستحمل أكتر من كده
بصيت له بحدة وقلت
ارجع عربيتك يا أستاذ مروان وفضل ورايا
قال بعصبية ممزوجة بالخوف
إنتي مش فاهمة أنا بنتي ممكن تضيع مني
الكلمة دي وجعتني بطريقة غريبة
نزلت من الموتوسيكل وقربت منه وقلت
وأنا مش هسمح إن ده يحصل طول ما أنا أقدر أساعدك
بص لي باستغراب واضح
إنتي تعرفيني منين؟
اترددت لحظة
كنت نفسي أقوله إني البنت اللي شالها بين إيديه وسط النار وإن صورته فضلت عايشة في ذاكرتي كل السنين دي
لكن الوقت ماكانش يسمح
قلت له
هحكيلك كل حاجة لما نوصل لبنتك
رجع عربيته وأنا كملت قدامه
وبعد مشوار طويل وسط الزحمة وصلنا أخيرا لمعهد الأورام
كانت الساعة اتنين و دقيقة
يعني فاضل تلات دقايق على المعاد
مروان ركن العربية بشكل عشوائي تقريبا ونزل يجري وهو شايل الشنطة الوردية
جريت وراه لحد باب الاستقبال
كان فيه راجل كبير في السن قاعد على كرسي متحرك وطفل صغير بيعيط وممرضات رايحين جايين بسرعة
مروان وقف قدام موظفة الاستقبال وهو مش قادر ياخد نفسه
بنتي فين؟ اسمها ليلى مروان عبد السلام عندها ميعاد الساعة تلاتة
الموظفة راجعت الكمبيوتر وقالت
الدكتورة مستنياها في الدور التالت يا أستاذ مروان بس حضرتك اتأخرت في تسليم شوية أوراق
طلع من جيبه ملف كبير وبدأ يقلب فيه بإيد بتترعش
أنا جبت كل حاجة والله أهو التحاليل والأشعة والتقارير كلها موجودة
الموظفة أخدت الملف وبدأت تراجعه
وبعدين رفعت عينيها وقالت
حضرتك مطلوب منك كمان موافقة على إجراء طبي إضافي قبل ما الدكتورة تبدأ
مروان اتجمد مكانه
إجراء إيه؟
قالت له
الدكتورة هتشرح لحضرتك فوق
ما استحملش
أنا أبوها ولازم أعرف بنتي هيحصل لها إيه
في اللحظة دي خرجت ممرضة من الممر ونادت بصوت عالي
أستاذ مروان عبد السلام؟
لف بسرعة
أنا أهو
قالت له
الدكتورة عايزة حضرتك حالا
جري وراها وأنا فضلت ماشية وراه لحد ما وصلنا لغرفة صغيرة جنب عيادات الأطفال
كانت فيه طفلة قاعدة على سرير الكشف لابسة فستان أصفر وفوقه جاكيت صوف أبيض
شعرها كان قصير جدا ووشها شاحب لكن أول ما شافت أبوها ابتسمت ابتسامة خلت قلبي يوجعني
بابا!
مروان فتح دراعاته وجري عليها كأنه خايف يكسرها
يا روح قلب بابا يا ليلى أنا جيت أهو يا حبيبتي
البنت مسكت رقبته وقالت بصوت ضعيف
كنت عارفة إنك هتيجي
مروان حاول يبتسم وهو بيمسح على شعرها
هو أنا ينفع أتأخر عن القمر بتاعي؟
ليلى ضحكت ضحكة صغيرة وبعدين بصت لي
هي مين يا بابا؟
مروان بص لي للحظة وبعدين قال
دي ضابطة طيبة ساعدتنا نوصل بسرعة
البنت مدت إيدها الصغيرة ناحيتي
أنا ليلى
مسكت إيدها برفق وقلت
وأنا آية يا ستي ليلى
قالت لي بجدية شديدة
إنتي صاحبة بابا؟
ابتسمت رغم الغصة اللي في قلبي
لسه متعرفناش على بعض كويس بس ممكن نبقى أصحاب
قالت
طب خدي بالك منه عشان بابا بيخاف عليا ومش بياخد باله من نفسه
مروان نزل راسه وباس إيدها
أنا أخاف على نفسي من غيرك ليه يا بنتي؟
في اللحظة دي دخلت الدكتورة وكانت ست في أواخر الأربعينات وملامحها جادة
أستاذ مروان لازم نتكلم
مروان قام من مكانه وساب إيد بنته بالعافية
خير يا دكتورة؟
الدكتورة بصت لليلى وبعدين قالت
التحاليل الأخيرة وضحت إن المرض رجع ينشط تاني وإننا محتاجين نبدأ إجراء علاجي في أسرع وقت
مروان حسيت إنه فقد توازنه فمد إيده وسند نفسه على طرف السرير
يعني إيه رجع؟ هي مش كانت اتحسنت؟
الدكتورة اتكلمت بهدوء
هي استجابت للعلاج في البداية لكن للأسف النتائج الجديدة مش مطمئنة وعايزين نراجع خطة العلاج ونشوف أنسب اختيار لحالتها
مروان حط إيده على وشه
طب اعملوا اللي إنتوا عايزينه أنا موافق على أي حاجة بس بنتي تعيش
الدكتورة سكتت لحظة وبعدين قالت
فيه احتمال نحتاج نبدأ علاج مكثف لكن لازم نراجع نتائج الفحوصات ونتأكد من قدرتها على تحمله
مروان هز راسه وهو مش قادر يتكلم
أما أنا فكنت واقفة في مكاني حاسة بالعجز
أنا اللي كنت فاكرة إني أقدر أساعده بمجرد ما أوصله للمستشفى اكتشفت إن الطريق اللي قدامي أصعب بكتير من زحمة الشوارع
بعد ما الدكتورة خرجت مروان رجع قعد جنب بنته
ليلى بصت له وقالت
بابا هو أنا هفضل هنا كتير؟
مروان حاول يخبي دموعه
مش عارف يا حبيبتي بس هنفضل مع بعض لحد ما ترجعي أحسن من الأول
قالت له
طب ما تزعلش عشان أنا لما بشوفك زعلان بتوجع أكتر
مروان فضل ساكت
في اللحظة دي خرجت من الأوضة وقفت عند الشباك في آخر الممر
دموعي نزلت من غير ما أحس
افتكرت أبويا الله يرحمه لما كان بيقف قدام سريري وأنا صغيرة بعد ما خرجت من الحريق وكان بيقول لي إن ربنا بعت لي ملاك أنقذني
أنا عمري ما عرفت اسم الراجل اللي أنقذني وقتها
لكن بعد ما بقيت ضابطة فضلت أدور عليه لحد ما وصلت لمعلومات قليلة عن اسمه وإنه كان شغال في شركة مقاولات وإنه سافر فترة طويلة بعد الحادث
ماعرفتش أوصله
لحد النهارده
سمعت صوت من ورايا بيقول
حضرة الظابط
مسحت دموعي بسرعة ولفيت
كان مروان واقف قدامي
قال بصوت هادي
معلش أنا عارف إني تعبتك معايا النهارده
قلت له
متقولش كده
فضل باصص لي شوية وبعدين سأل
إنتي ليه ساعدتيني بالشكل ده؟ كان ممكن تعملي شغلك وتسيبيني أتصرف
بصيت له وقلت
فاكر حريق عمارة شبرا من 12 سنة؟
ملامحه اتغيرت فجأة
حريق شبرا؟
أيوه
حسيت إنه بدأ يفتكر
قلت له
كان فيه بنت عندها 14 سنة محبوسة في شقة في الدور التالت وسط الدخان والنار وأهلها كانوا بره ومش عارفين يوصلوا لها
مروان فضل ساكت
كملت وأنا صوتي بدأ يرتعش
البنت دي كنت أنا
وشه اصفر وبص لي بذهول
إنتي آية؟
هزيت راسي وأنا بعيط
أيوه أنا آية
حط إيده على دماغه كأنه مش مصدق
يا نهار أبيض
قرب مني وقال
إنتي كبرتي وبقيتي ضابطة؟
ابتسمت وسط دموعي
أيوه وده بفضل ربنا وبفضل إنك دخلت النار وطلعتني
مروان بص للأرض وقال
أنا فاكر اليوم ده كأنه امبارح
كان فيه ناس بتصرخ وناس بتحاول تطلع من العمارة وأنا سمعت صوتك من جوه الشقة
دخلت من غير ما أفكر
ماكنتش عارف إذا كنت هخرج تاني ولا لأ
قلت له
طب ليه اختفيت؟ ليه ماعرفتش اسمك ولا حتى قدرت أشكرك؟
تنهد وقال
أنا ماكنتش مستني شكر يا بنتي
وبعدين سكت لحظة وكمل
بعد الحريق بأيام أخويا مات في حادثة عربية وكنت مسؤول عن ابنه الصغير وقتها وأم الولد كانت مسافرة ومش عارفة ترجع بسرعة
الدنيا اتقلبت في وشي ومشاكل العيلة والشغل خلتني أسافر فترة للإسكندرية وبعدين رجعت القاهرة بعد سنين
ماكانش عندي وقت أفكر في أي حاجة غير إني أحافظ على اللي فاضل من عيلتي
قلت له
بس أنا فضلت فاكرَاك كل السنين دي
ابتسم ابتسامة حزينة
وأنا عمري ما نسيت البنت
 

تم نسخ الرابط