عزومة
كل أمل في الصلح. شعرت بدمائي تغلي، ونظرت إلى خالد الذي أومأ لي بنظرة فهمت مغزاها فوراً. لم نعد نتحمل هذا القدر من التقليل. مسكت يد ياسين ورفعت رأسي بثبات وقيلت إحنا آسفين على العصير، وآسفين إننا دخلنا بيتك يا نجوى. حقك علينا، والسجادة بكرة الصبح هيكون بدالها جديدة في بيتك، لكن كرامتنا وكرامة عيالنا أهم من أي فطار.
انحنيت لأخذ حقيبتي من على الطاولة في الصالة، وبدأ أطفالي الآخرون بالبكاء من أثر التوتر السائد. حاول إسماعيل جاداً الإمساك بذراع خالد وهو يقول ونبرته تتوسل والله ما تحصل يا خالد! عشان خاطري أنا، دي ساعة أذان، الشوارع واقفة، تأكلوا لقمتكم والأمر يقضى.
رد خالد وهو يرفع يده محتضناً كتف إسماعيل بنبل عشان خاطرك أنت يا إسماعيل إحنا مش هنكبر الموضوع أكتر من كده، بس القعدة هنا أصبحت غير مريحة للطرفين. مراتك مش قبلانا، وأنا عيالي مش هيعدوا دقيقة واحدة وهم حاسين إنه مرغوب عنهم أو إنهم سبب . الأذان بيأذن، روح افطر مع مراتك، وإحنا ربنا متكفل بينا.
صوت أذان المغرب ارتفع في تلك اللحظة بالذات من المسجد المجاور، يتردد صداه بين جدران الشقة المكتومة بالتوتر الله أكبر.. الله أكبر. كان صوتاً يبعث على السكينة، لكنه زاد من وطأة الحزن في قلوبنا. كنا نتطلع لإفطار رمضاني دافئ ينتهي بنا المطاف مطرودين بكبرياء شريف في لحظة الإفطار.
خرجنا من الشقة، وصوت إسماعيل يرتفع بالنداء خلفنا على السلم وهو يحاول إقناعنا بالعودة، لكن خالد أغلق باب المصعد بصرامة، تاركاً شقيقه في مواجهة زوجته المتجهمة.
في السيارة، ساد صمت رهيب. لم ينطق أحد بكلمة. كانت الشوارع حولنا تخلو تدريجياً مع انطلاق الأذان، وأضواء الفوانيس المعلقة في حواري القاهرة تضيء الزجاج المظلم. تنفس ياسين الصعداء وهو يمسك بيدي ويقول بصوت خافت يا بابا، هو أنا كده زعلت ربنا عشان وقعت العصير؟
التفت خالد إلى الخلف ابتسامة دافئة رغم الحزن العميق في عينيه، وقال لا يا حبيبي، إنت ما عملتش حاجة بقصد، وربنا عارف إنك طفل بتلعب. بس لازم نتعلم نكون أهدى في بيوت الناس.
فتحت حقيبتي، ووجدت فيها بضع تمرات كانت المتبقية من زحام اليوم، وزعتها على الأطفال وعلى خالد. أفطرنا في السيارة على بضع تمرات وزجاجة ماء صغيرة من درج السيارة، في منتصف شارع جانبي بالقرب من منطقتنا. لم تكن هذه هي العزومة التي توقعناها، ولكن الهدوء الذي حل علينا بعد الخروج من ذلك البيت المسموم كان يسوى الدنيا بأسرها.
وصلنا منزلنا، وقمت فوراً بتجهيز ما تيسر من الطعام السريع للأطفال الذين كانوا يعانون من الجوع والتعب النفسي. بينما جلس خالد في الصالة يقلب في هاتفه بشرود. كان يعرف أن هذا الموقف لن يمر بسلام بينه وبين أخيه الكبير، فشقيقه إسماعيل، رغم طيبته، يعيش تحت سطوة نجوى منذ سنوات، وهذه Incident لم تكن الأولى، لكنها كانت الأشد قسوة.
بعد ساعات قليلة من الإفطار، وبينما كنت أقوم بتنظيف المطبخ، رن هاتف خالد. كان المتصل هو إسماعيل. تردد خالد في الرد لثوانٍ، ثم رفع السماعة وفتح مكبر الصوت لنسمع سوياً.
جاء صوت إسماعيل مكسوراً، يخنقه الخجل يا خالد.. أنا مش عارف أقولك إيه. أنا آسف يا أخويا، حقك عليّ فوق راسي. أنا عمري ما اتمنيت إني أتحط في موقف زي ده معك ومع عيلتك.
رد خالد بهدوء وثبات يا إسماعيل، أنت أخويا الكبير، ومقامك محفوظ. لكن اللي حصل النهاردة تجاوز كل الحدود. نجوى اتعاملت مع مراتي وابني بأسلوب لا يرضي ربنا ولا يرضي عبد. الولد اتهان ومسكتوا من دراعه، ومراتي اتهانت في بيتك وأنا واقف.
تنهد إسماعيل بقلة حيلة وقال والله يا خالد أنا تشاكلت معاها شكيمة عمرها ما شافتها بعد ما مشيتوا. البيت مكسور ومحدش حط لقمة في بوقه. هي اعترفت إنها زادتها شوية بس هي متوترة من الصبح وعصبية بسبب السجادة
قطعت أنا الحديث بحرص وقيلت بالقرب من الهاتف يا أبيه إسماعيل، السجادة مش مشكلة، بكرة هتوصلكم واحدة زيها وأحسن. لكن المشكلة في الكرامة. نجوى مش محترمانا من أول ما دخلنا بالحلويات لحد ما خرجنا. التعامل بالطريقة دي يسيب شرخ في العلاقات صعب يتلم.
ساد الصمت على الطرف الآخر، ثم قال إسماعيل يا هند، أنت اختي، ونجوى غلطانة وأنا مش هدافع عنها. بس أنا بطلب منكوا ما تكبروش الموضوع بيني وبين خالد. إحنا مالناش غير بعض.
اتفق خالد مع أخيه على التهدئة، ولكن بشرط أن يكون هناك حد واضح للتعامل في المستقبل. انتهت المكالمة، ولكن القصة لم تنتهِ عند هذا الحد.
في صباح اليوم التالي، قمت بالبحث عن شركة متخصصة في تنظيف السجاد بالبخار، إلى جانب طلب سجادة جديدة مشابهة للسجادة التالفة من أحد المتاجر الشهيرة عبر الإنترنت، ودفعنا ثمنها كاملاً من مدخراتنا الشديدة، حتى لا نترك لنجوى أي حجة أو ذريعة تتحدث بها أمام العائلة.
ولكن في عصر اليوم نفسه، تفاجأنا بجمع العائلة يشتعل. يبدو أن نجوى لم تكتفِ بما حدث، بل قامت باتصال هاتفي بحماة الجميع، أم خالد وإسماعيل، ونقلت لها الرواية بطريقة مجافية للحقيقة تماماً. صورّت الأمر على أننا دخلنا بيتها بنية الخراب، وأننا تعمدنا إفساد سجادها وعزومتها، وأنني قمت بالصراخ في وجهها وإهانتها في بيتها وأمام زوجها!
اتصلت والدة خالد بنا وهي غاضبة ومستاءة، تطالبنا بالاعتذار الفوري لنجوى ولإسماعيل لتهدئة النفوس قبل العيد.
جلس خالد أمامي والنار تتأجج في عينيه. الموقف أصبح أكبر من مجرد عصير مسكوب على سجادة؛ لقد تحول إلى حرب فرض نفوذ وتشويه سمعة داخل العائلة. نظر إليّ وقال بصوت صارم اللي سكتنا عليه بالأمس عشان صلة الرحم، النهاردة لازم يتقال فيه الحق. إحنا مش هنعتذر، إحنا رايحين بيت أمي النهاردة على الفطار، وهناك كل
حاجة هتبان قدام الكل.
وجدت نفسي أمام مواجهة جديدة، أشد شراسة من الأولى، حيث ستجتمع العائلة بأكملها لتصفية الحسابات، وكنت أعلم أن نجوى أعدت العدة لتصنع من نفسها الضحية الكاملة.
هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.