ابني قالي مفيش ليكي مكان

لمحة نيوز

 

لقيت ملف باسمي.

إفادة طبية بتتكلم عن حالتي العقلية.

وتقرير معمول كأني مش قادرة أدير حياتي لوحدي.

وجنبه ورق تجهيز لإيداعي في دار رعاية خاصة.

إيدي بدأت تترعش.

قلبت الورق صفحة ورا التانية.

لحد ما لقيت ورقة مكتوب عليها بخط كريم:

«بعد ما ماما تدخل الدار، ندور على عقود الشقة وحساباتها وأوراق شقة المنصورة.»

وتحتها بخط نيرمين:

«لو بعنا شقة المنصورة، نكمل مقدم الشقة الجديدة.»

فضلت باصة للورقة وأنا مش مصدقة.

هما ماكانوش عايزين يعتنوا بيا.

هما كانوا عايزين يطلعوني «مش واعية»…

يدخلوني دار رعاية…

وبعدها ياخدوا كل حاجة لسه فاضلة باسمي.

في اللحظة دي، موبايلي طلع إشعار من تطبيق العيلة.

فتحت الإشعار.

كان فيه ميعاد الساعة 9 الصبح تاني يوم.

عنوانه:

«نقل ماما للدار — تفتيش أوضتها قبل ما نخرج.»

واللي عامل الموعد كان كريم نفسه.

ابني…

كان محدد بالساعة إمتى هينقلني من بيتي، ويفتش أوضتي، ويمسحني من حياته.

وقفت في نص الأوضة وأنا ماسكة الموبايل.

ولأول مرة، فهمت إن خروجي

من البيت الليلة دي ماكانش هروب…

كان بداية الحقيقة.

بس اللي اكتشفته بعدها عن المليون و600 ألف جنيه اللي اديتهم لابني…

كان أسوأ بكتير مما كنت متخيلة.

​سحبت شنطتي بهدوء تام، ومشيت على أطراف أصابعي لحد ما خرجت من الشقة وقفلت الباب ورايا. كأن روحي هي اللي كانت بتتسحب مش جسمي.

​نزلت على السلم وأنا حاسة إن السنين كلها اتجمعت فوق كتافي في اللحظة دي. ركبت تاكسي لمحطة مصر، ومن هناك حجزت أول قطر طالع على المنصورة.

​طول الطريق، القطر كان بيخبط على القضبان بنغمة حزينة كأنها بتفكرني بكل تضحياتي. المليون و600 ألف جنيه اللي ضحيت بشقى عمري وبيت حياتي عشانه، والفلوس اللي ساعدت في تشطيب شقتهم، طلعت في الآخر تمن تذكرة لذهابي لدار رعاية!

​وصلت المنصورة مع أول ضوء الفجر. الهواء كان نقي وبرد الخريف صحصحني. طلعت المفتاح القديم من شنطتي، وفتح باب شقة أختي الله يرحمها. الشقة كانت متربة وريحتها مقفولة، بس بالنسبة لي كانت أحصن قلعة في العالم. فتحت الشباك وخليت الشمس تدخل، وحطيت صورة حسن على الترابيزة

الصغيرة جنب السرير.

​الصباح المرتقب في القاهرة

​الساعة 9 الصبح بالظبط، كان كريم ونيرمين واقفين قدام باب أوضتي في القاهرة ومعاهم ورقة دخول دار الرعاية، ومعاهم مسؤول إداري من الدار.

​كريم خبط على الباب مرتين وقال بصوت بارد:

— يلا يا ماما، اصحي عشان رايحين مشوار مهم.

​مفيش رد.

​فتح الباب بعنف، وبص جوه لقى الأوضة فاضية تمامًا! السرير مرتب، والشنطة مش موجودة، وريحة البرفان القديم بتاع حسن هي الحاجة الوحيدة الباقية.

​نيرمين صرخت بصوت عالي:

— راحت فين؟! شنطتها مش موجودة!

​كريم فتح الدولاب لقى ظرف صغير محطوط في نصه، وفيه ورقة مكتوب عليها بخط إيدي:

"يا كريم... العصفور اللي ربيته على إيدك، طلع بيعرف يطير كويس. شكراً إنك وفرت عليا تعب التفكير في إزاي أمشي. شقة المنصورة باسمي، وحساب البنك قافلاه من على التليفون من وأنا في القطر. أما المليون و600 ألف جنيه اللي خدتهم... فاعتبرهم تمن إيجار السنين اللي فاتت اللي عرفت فيهم حقيقتك وحقيقة مراتك. مع السلامة يا ابني."

​كريم اتقبض

على صدره. بص لنيرمين وفاق أخيرًا على الكارثة: الشقة الجديدة اللي دفعوا فيها مقدم كبير، القسط الأخير بتاعها مستحق بكرة، ومافيش في حسابهم مليم واحد بعد ما صرفوا كل فلوسهم على المظاهرات والمصايف، وكانوا حاطين عينهم على فلوس سعاد عشان يسدّدوا الديون!

​الضربة التي قاضت الحسابات

​في المنصورة، كنت قاعدة على الكنبة شاربة كوباية شاي بالنعناع، وموبايلي رن.

​كان رقم كريم.

​سيبه يترن لحد ما فصل، وبعدين رن تاني. فتحت الخط، وسمعت صوته مكسور وبيهتز وبيقول بصوت مرعوب:

— م... ماما؟ إنتِ فين؟! ارجعي، نيرمين كانت تلاقيه هزار، إحنا… إحنا بنموت من غيرك، والبنك… البنك رافض القرض!

​بصيت لصورة حسن بهدوء، وقلت بصوت قوي وثابت لأول مرة من سنين:

— البقاء لله يا كريم... في أمك القديمة اللي ماتت امبارح. أما الشقة والفلوس، فالقانون بيننا وبين المحاكم هيعرف يظبطها صح.

​قفلت السكة في وشه، وعملت "بلوك" للرقم ولنيرمين ولليوسف ولكل الشاشات اللي ممكن تربطني بالماضي الكداب ده.

​قمت وقفت قدام المرايا،

عدلت بلوفيري الموف، وابتسمت لنفسي في المرايا لأول مرة بحقيقيّة وصادقة. أخيرًا... رجعت سعاد لنفسها.

تم نسخ الرابط