الصمت الاختياري

لمحة نيوز


مدفون بين الصخور.
يوسف أول ما شافه، وشه اتغير.
مد إيده وهو بيرتعش.
ولما فتح الغطا...
طلع منه إسورة أطفال عليها اسم سلمى.
ودب صغير من القماش كان لونه وردي، رغم إن الميه بهدلت معظمه.
لكن الحاجة اللي خلت العقيد نفسه يقف ساكت...
كانت مفكرة جلدية صغيرة ملفوفة داخل كيس بلاستيك محكم.
فتحها بحذر.
كل الصفحات باظت...
إلا آخر ورقة.
كان فيها خط إيد الأب.
قرأها بصوت منخفض
لو حد لقى الورقة دي، يبقى كل حاجة انتهت.
سكت.
وبعدين كمل.
أنا ما كنتش ناوي أقتل طفل واحد...
اتجمدنا.
...أنا كنت ناوي أخلص منهم هما الاتنين.
يوسف اتنفس بسرعة.
العقيد كمل القراءة.
لكن الولد جري واستخبى، والناس بدأت تقرب، واضطريت أكتفي بالبنت.
حسيت الأرض بتميل بيا.
يعني...
يوسف كان المفروض ېموت هو كمان.
الورقة كملت باعترافات أبشع.
الأب كتب إنه كان غارق في ديون ضخمة، وإن شركات التمويل كانت بتطارده، وإنه شاف إن التأمين على الطفلين هو الفرصة الأخيرة.
كتب إنه اختار البحيرة لأنها معروفة

إن التيار فيها بيخفي الچثث.
وكتب بالتفصيل إزاي خطط للرحلة من أسبوعين.
وإزاي اشترى الحبال والحجارة.
وإزاي درب نفسه قبلها على النزول في نفس المكان.
ولما العقيد خلص القراءة...
قال بهدوء
الاعتراف ده مش هيغير الحكم... لكنه هيقفل كل نقطة كانت ناقصة.
يوسف فضل باصص للورقة.
وفجأة قال
أنا فاكر اليوم ده أكتر مما كنت فاكر.
العقيد سأله
إيه اللي افتكرته؟
يوسف قال
أختي كانت عارفة.
كلنا بصينا له.
قال
قبل ما ننزل من العربية... سلمى كانت ماسكة إيدي جامد.
وقالتلي همسة...
...لو بابا زعق... اجري.
أنا اتجمدت.
دي أول مرة يوسف يفتكر كلام قالته أخته.
فضل يبكي.
وقال
هي كانت حاسة.
بعد شهور، بدأ يوسف جلسات علاج جديدة.
لكن المرة دي...
كان بيتكلم.
كتير.
لدرجة إن الدكاترة كانوا بيسجلوا الجلسات لأنها بقت مرجع علمي لحالات الصدمة الطويلة.
كان بيحكي تفاصيل صغيرة جدًا.
ريحة الطين.
صوت الميه.
لون الفستان.
طريقة صړاخ أخته.
الحاجات دي كانت محپوسة جواه سنين.
كل كلمة كان
بيقولها...
كانت كأنها بتفك قفل قديم.
بعد سنة.
جامعة كبيرة دعت يوسف يحكي قصته لطلاب الطب النفسي.
وقف قدام مئات الطلبة.
القاعة كلها ساكتة.
قال
الناس فاكرة إن الصمت معناه إن الشخص نسي.
لكن الحقيقة...
الصمت ساعات بيكون معناه إن الذكرى أكبر من قدرة اللسان.
مافيش حد في القاعة قدر يمسك دموعه.
أستاذ كبير في الطب النفسي وقف بعدها وقال
أنا بقالي أربعين سنة بعالج مرضى.
لكن النهارده أنا اتعلمت من مريض أكتر مما علمت آلاف الطلبة.
بعد التخرج بسنوات، أسس يوسف مركزًا مجانيًا لعلاج الأطفال الناجين من الصدمات.
رفض ياخد اسمه.
وسماه
مركز سلمى.
كل طفل يدخل المركز كان يلاقي على الحائط عبارة مكتوبة بخط كبير
محدش هيجبرك تتكلم... لكن لما تكون مستعد، هنكون كلنا هنا علشان نسمعك.
المركز بقى يستقبل أطفالًا من محافظات كتير.
فيه طفل فقد النطق بعد حاډث.
وبنت نجت من حريق.
وولد شهد چريمة قتل.
يوسف كان يقعد معاهم بالساعات.
من غير ضغط.
من غير أسئلة كتير.
لأنه كان عارف
إن الصمت له لغة.
وفي يوم، طفل صغير سأله
هو أنت عمرك خفت؟
ابتسم يوسف.
وقال
كل يوم.
طب وإيه اللي خلاك تتكلم؟
رفع عينه لصورة سلمى المعلقة في مكتب الاستقبال.
وقال
لأني فهمت إن الخۏف بيحمي المچرم... لكن الحقيقة بتحمي الأبرياء.
مرت سنوات أخرى.
وفي الذكرى العشرين لرحيل سلمى، وقف يوسف أمام قپرها ومعه عشرات الأطفال الذين تعافوا داخل المركز، وكل واحد منهم كان يحمل وردة وردية.
وضعوا الورود حول القپر حتى غطته بالكامل.
ثم وقف يوسف يقرأ بصوت ثابت من كتابه صوت الصمت
مش كل الأبطال بيصرخوا.
في أبطال بيحاربوا سنين كاملة في صمت.
ولما يتكلموا...
كلمة واحدة منهم تغير مصير عائلات، وتكشف جرائم، وتنقذ أرواحًا، وتعيد للعدالة صوتها.
ثم أغلق الكتاب، ووضعه برفق فوق شاهد القپر للحظات، وقال وهو يبتسم والدموع في عينيه
وعدتك وأنا طفل إني هرجعلك.
النهارده رجعتلك بحقك...
ورجعت معاه حياة أطفال كتير كانوا فاكرين إن الصمت هو نهاية الحكاية.
لكن الحقيقة...
كانت
مجرد البداية.

هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.

 

تم نسخ الرابط