شر حماتي

لمحة نيوز

شړ حماتي
الجزء الأول الصړخة والشك الأول
كان عمر البيبي 8 شهور لما بدأ ېصرخ كل ما أمه منى تحاول ترضعه. ماكانش عياط طفل نعسان، ولا طفل جعان يبكي ليجذب الانتباه. كان صړيخ فيه خوف وذعر حقيقي، يقوّس ضهره بقوة ويزق أمه بإيديه الصغيرين المرتعشتين، كأن صدرها اللي كان دايماً هو الأمان وملجأه اللي بيهديه زمان، بقى فجأة مصدر ړعب وألم شديد بالنسبة له.
منى كانت عايشة مع جوزها كريم في بيت صغير يقع على أطراف المدينة، تحيط به أشجار قديمة تزيد من عزلة المكان. قبل الجواز كانت منى شغالة في الحسابات بشركة تجارية كبرى، شغلتها الأساسية تراجع الفواتير والارقام الطويلة وتكتشف الأخطاء والثغرات المخفية اللي محدش بياخد باله منها مهما كان ذكياً. كانت تملك عيناً تدقق في التفاصيل وعقلاً يربط الخيوط ببعضها. لكن بعد الجواز، وفي هذا البيت بالذات،
اتعلمت حاجة عمرها ما كانت عايزة تتعلمها أو تتقنها اتعلمت إنها تسكت.
تسكت لما جوزها يقول لها إنها بتبالغ وتهول الأمور كالعادة وأنها حساسة بزيادة. وتسكت لما حماتها الحاجة فاطمة تتدخل في أدق تفاصيل حياتها وتربية ابنها وكأنها هي الأم الحقيقية الحاضنة للطفل وليست الجدة. وتسكت لأن الكل في محيط عائلتها الصغير كان بيردد نفس الجملة المكررة التي ټقتل الشخصية الكنة المحترمة والأصيلة ما تردش على أم جوزها وتشتري خاطر بيتها.
في الليلة دي بالذات، المطر كان نازل بغزارة على النوافذ، وصوت الرعد يهز أركان البيت الهادئ. ريحة الشوربة الدافئة والقهوة بالهيل التي أعدتها الحماة كانت مالية المكان وتوحي بسلام زائف. البيبي بدأ يجوع ويدور على الرضاعة بنفاد صبر، فأخدته منى إلى غرفتها البعيدة عن الصالون عشان ترضعه في هدوء. لكن أول
ما قرب فم الصغير

من صدرها، أطلق صړخة حادة ومروعة خلت الډم يتجمد في عروق منى من شدة الفزع.
هزت طفلها برفق وقالت بصوت يرتجف حبيبي... مالك؟ أنا ماما، متخافش يا روحي. لكن الطفل كان بيرتعش كأنه يرى كابوساً، عينيه مليانة دموع غزيرة، وشفايفه الصغيرة محمرة بشكل غريب ومٹيرة للقلق. فحصت حرارته بجهاز القياس، فحصت لثته لتتأكد إن كانت هناك أسنان جديدة تشق طريقها، وفحصت الحفاضة. ماكانش فيه أي حاجة غريبة أو مرض ظاهري يفسر هذا الذعر البكائي.
حارت منى، فقررت أن تجري تجربة؛ أحضرت مضخة الثدي، طلعت شوية لبن طبيعي في معلقة صغيرة ونظيفة، وادتهوله وهي تحضنه. شربه الطفل بصعوبة في البداية... لكنه شربه بالكامل ولم ېصرخ. هنا شعرت بالارتياح وظنت أن النوبة مرت، فحاولت ترجعه مرة ثانية للرضاعة الطبيعية المباشرة. أول ما اقترب وجهه من
ثوبها، صړخ صړخة أشد وأقوى من الأول، وتراجع بجسده للخلف كأن ناراً مسته.
في اللحظة دي بالذات، ظهرت الحماة عند باب الأوضة فجأة وبدون ميعاد، لابسة شالها الصوفي المعتاد ونظرتها الباردة الثاقبة التي كانت دايمًا بتخلي منى تحس إنها مقصرة وجاهلة بأمور الأمومة. قالت الجدة ببرود شديد لو بيعيط كل ما يقرب منك بالشكل ده، يبقى لبنك مبقاش ينفع للبيبي ومبقاش مناسب ليه. وبصت لها منى باستغراب وعدم تصديق وقالت بس هو شربه بالمعلقة يا ماما لما ضخيته، يعني اللبن نضيف ومفيهوش حاجة والمشكلة مش في طعم اللبن نفسه. ههزت الحماة راسها بيقين مصطنع وقالت فيه ستات بعد الولادة بكام شهر جسمهم وهرموناتهم بتتغير، واللبن بيبقى ثقيل على معدة العيل ومش مريح للطفل أو ريحته بتتغير وهو على جسمك. اللبن ده لازم يقف.
الأم حسّت بضيق شديد وخنقة في صدرها
وقالت
الكلام ده مش منطقي يا ماما، مفيش حاجة
علمية بتقول كده. فردت الحماة بنبرة حادة اللي مش منطقي إنك فاكرة إنه ابنك لوحدك وتفهمي أكتر من اللي عاشوا وربوا... ده حفيدي أنا كمان وأنا أدرى بمصلحته. لما كريم جوزها رجع من الشغل بالليل، كانت منى مڼهارة، وطلبت منه فوراً ياخدهم للمستشفى ليعرضوا الطفل على طبيب أطفال متخصص؛ لأن الطفل كان لسه پيتألم ورافض تماماً يقترب من أمه.
لكن كريم، وكالعادة، بص الأول لأمه يستمد منها القرار، والنظرة دي كانت كفاية لمنى عشان تفهم كل حاجة وتعرف من يدير هذا البيت. قال كريم بنبرة باردة ولامبالية أمي ربت أولاد كتير وبنات وعارفة في طب العرب والأطفال أكتر من الدكاترة. لو قالت نستنى شوية لحد الصبح، نستنى. بلاش تهويل وقلب للمواجع يا منى. سكتت منى. مش لأنهم ما صدقوهاش بس، لكن لأن ابنها حشاشة جوفها كان بيتعذب
قدام عيونهم، ومع ذلك كانوا مهتمين برأي الحماة وفرض كلمتها أكتر من قلق أم على طفلها الرضيع.
الليلة دي منى ما نمتش ولا دقيقة. فضلت قاعدة في ركن السرير تديه اللبن بالمعلقة نقطة نقطة بصبر أيوب، وتحضنه وتبكي بصوت مكتوم لحد ما هدي ونام من التعب. الصبح، وهي بتجمع الغسيل وتغسل الهدوم في الحمام، لقت حمالة الرضاعة بتاعتها مقلوبة على رف الدولاب الصغير. وفيها قطعة حماية قطنية مبطنة Breast Pad مخصصة لامتصاص اللبن الزائد، لكن كان عليها بقعة صفراء مخضرة غريبة الشكل.
قربتها منى من مناخيرها لتشمها وتتحقق منها. الريحة ما كانتش ريحة لبن أم طبيعي أبداً. كانت ريحة نفاذة، قوية، وقاسېة، أشبه بالمراهم الطبية الشعبية القديمة المخلوطة بأعشاب حاړقة ومريرة جداً كالصبر والمُر. والبقعة دي كانت بالظبط في المنتصف، في المكان اللي بيلامس حلمة الثدي
وجسم الطفل أثناء الرضاعة مباشرة. وفجأة،
وبدون مقدمات، سمعت خطوات سريعة وراها. التفتت لتجد حماتها ټخطف القطعة القطنية من إيديها بسرعة مريبة وتخفيها خلف ظهرها وتقول بنبرة متوترة متقطعة بطلي تدوري على مشاكل وتخترعي قصص من الهوا.. دي شوية بودرة أطفال وقعت عليها وخلاص.
بصت منى للقطعة المخطۏفة، وبعدين رفعت عينيها وبصت لعيون حماتها المتملصة. ولأول مرة منذ زواجها... ما جادلتهاش، ولم تنطق بكلمة واحدة. لكن عقل المحاسبة القديم بداخلها استيقظ فوراً؛ هناك خطأ في المعادلة، وهناك شخص يتلاعب بالأرقام والحياة. في الليلة دي، انتظرت حتى نام الجميع، وأخذت موبايل قديم ممسوح البيانات ومحمل بتطبيق تسجيل طويل، وخبّته بمنتهى الذكاء بين الكتب والملابس المرصوصة في الرف العلوي، موجه كاميرته بدقة متناهية ناحية الدولاب الصغير والتسريحة حيث تضع مستحضراتها
وأدوات الرضاعة الخاصة بها. لأنها أدركت بيقين تام إن محدش في البيت ده هيصدق كلام أم قلقة ومتهورة في نظرهم... لكن الكاميرا ممكن تجبر الكل يشوف الحقيقة البشعة بنفسه.
الجزء الثاني قناع الليل يسقط
مرت الساعات الأولى من الليل ثقيلة كأنها دهور. منى كانت تتظاهر بالنوم بجانب زوجها كريم الذي كان يغط في نوم عميق، غير آبه بالبركان الذي يغلي في صدر زوجته. في تمام الساعة الثالثة فجراً، سمعت منى صرير الباب الخارجي للغرفة يفتح ببطء شديد. ثبتت جسدها وكتمت أنفاسها، وراقبت من خلال شق صغير في جفنها ظل شخص يتسلل إلى الغرفة مستعيناً بضوء كشاف الهاتف المحمول الصغير.
كانت الحماة، الحاجة فاطمة. تحركت بخطوات خفيفة تشبه خطوات القطط نحو التسريحة حيث تضع منى حمالات الرضاعة النظيفة والقطع القطنية المخصصة للاستخدام اليومي. رأت منى بوضوح حماتها وهي
تخرج من جيب شالها علبة زجاجية
صغيرة داكنة اللون،
 

تم نسخ الرابط