عربيه ابويا
أخويا باع عربية أبويا الله يرحمه من غير ما يقولي وبعد يومين، المشتري اتصل بيا وسألني عن جواب مقفول كان متثبت تحت الكرسي!
اسمي ليلى، وأبويا توفّى في شهر مارس، بعد معركة قصيرة وقاسية مع سرطان البنكرياس. كان عنده واحد وسبعين سنة، وميكانيكي متقاعد، وكان آخر حد فاضل ليا من أهلي.
أبويا كان عنده حاجة واحدة بيحبها بجد، وهي عربية بيك أب فورد خضرا موديل 1994، كان مجددها بإيده على مدار عشرين سنة تقريبًا.
العربية دي كانت جزء من حياته، وجزء من ذكرياتي معاه.
هو اللي علّمني إزاي أغيّر زيت العربية، وهو اللي وصلني بيها أول يوم ليا في المدرسة الثانوية. وحتى لما المرض اشتد عليه وبقى مش قادر يسوق، كان كل يوم أحد يطلب من أخويا كريم إنه يشغّل الموتور، بس علشان يسمع صوت العربية وهي دايرة.
بعد العزا، أنا وكريم اتفقنا إننا نسيب البيت والعربية زي ما هما لمدة ست شهور على الأقل، لحد ما نشوف هنتصرف إزاي في ميراث أبويا.
ده كان اتفاقنا، وبصراحة مدّينا إيدينا لبعض وأكدنا عليه.
لكن يوم السبت اللي فات، روحت بيت أبويا علشان أسقي الزرع، وفوجئت إن باب الجراج مفتوح.
بصيت للمكان اللي العربية كانت بتركن فيه دايمًا، واتصدمت لما لقيته فاضي!
كل اللي كان موجود هو بقعة زيت قديمة على أرضية الجراج.
اتصلت بكريم فورًا، وأول ما رد عليّا، حسّيت من نبرة صوته إنه مش شايف إن فيه أي حاجة تستاهل القلق.
قال ببرود
آه، العربية دي! أنا بعتها. واحد من بلد قريبة مننا دفع فيها تمانية آلاف دولار كاش. ما هي كانت مركونة وبتصدّي يا ليلى، وأبويا مكنش هيحب إنها تفضل كده من غير فايدة.
حسّيت إن الكلام وقف في زوري، ورديت عليه وأنا بالعافية قادرة أتكلم
إحنا كان بينا اتفاق يا كريم!
رد بمنتهى اللامبالاة
اهدي بس، إنتِ هتاخدي نصيبك من الفلوس.
وبعدها قفل السكة في وشي!
قعدت على أرضية الجراج حوالي ساعة كاملة، ببص للمكان الفاضي اللي كانت العربية واقفة فيه، وأنا حاسة بغضب ووجع رجعوا يفتحوا جرح فقدان أبويا من أول وجديد.
مكنتش زعلانة على الفلوس، ولا حتى على العربية نفسها قد ما كنت موجوعة من إن أخويا قدر يبيع حاجة أبويا حبها طول عمره، من غير حتى ما يفكر يرجعلي أو يحترم اتفاقنا.
لكن بعد يومين بس، حصلت حاجة مكنتش أتخيلها أبدًا!
تليفوني رن من رقم غريب، ولما رديت، سمعت صوت راجل بيتكلم بأدب، لكن كان واضح من نبرة صوته إنه متردد ومش عارف يبدأ كلامه إزاي.
قال
ألو، لو سمحتي، إنتِ ليلى؟
رديت باستغراب
أيوه، مين معايا؟
قال
أنا الشخص اللي اشترى عربية والدك من أخوكي. أنا آسف لو هضايقك، بس كنت بنضّف العربية امبارح بالليل، ولقيت حاجة غريبة متثبتة تحت كرسي السواق.
سكت لحظة، وكأنه بيحاول يختار كلماته بعناية.
وبعدين كمل
لقيت جواب في ظرف مقفول، ومش عارف ليه، بس اسمك مكتوب عليه من برّه.
اتسمرت مكاني، وقلبي بدأ يدق بسرعة.
الراجل أخد نفس عميق، وقال الجملة اللي خلت جسمي كله يقشعر
الخط اللي مكتوب بيه اسمك شبه خط والدك جدًا وأنا مش عارف إذا كنتِ تعرفي أي حاجة عن الجواب ده ولا لأ!
أخويا باع عربية أبويا من ورايا لكن الجواب اللي اتلاقى تحت الكرسي كشف سرّ محدش فينا كان يتخيله!
فضلت ماسكة التليفون ومش عارفة أرد على الراجل. كنت بحاول أستوعب إزاي أبويا يسيبلي جواب مخبّيه تحت كرسي عربيته، وليه يختار يخبيه بالطريقة دي بالذات.
سألته بصوت مهزوز
حضرتك متأكد إن الجواب مكتوب عليه اسمي أنا؟
رد عليّا
أيوه يا مدام ليلى، اسمك مكتوب بوضوح. والظرف متقفل كويس، وأنا لسه مفتحتوش. بصراحة، لما شفت اسمك، حسيت إن الأمانة دي لازم ترجعلك.
غمضت عيني، وحاولت أسيطر على دموعي، وقلتله
ممكن أقابلك؟ أنا لازم أشوف الجواب ده.
اتفقنا نتقابل بعد ساعة في كافيه صغير على الطريق الرئيسي.
طول الطريق، كانت أفكار كتير بتدور في دماغي. هل أبويا كان عارف إن نهايته قربت؟ هل كان فيه حاجة مخبيها عني؟ وليه مدّانيش الجواب ده بنفسه؟
ولما وصلت، لقيت الراجل قاعد على ترابيزة في الركن، وأول ما شافني قام وقف.
كان اسمه عماد، راجل في الخمسينات من عمره، وملامحه هادية.
طلع من شنطته ظرف بني قديم، وحطه قدامي بحرص.
أول ما شفت خط أبويا، انهرت في العياط.
كان نفس الخط اللي كنت بشوفه على ورق المشتريات اللي كان بيكتبه في الورشة، ونفس الخط اللي كتب بيه آخر كارت عيد ميلاد ليا.
مدّيت إيدي وخدت الظرف، لكن قبل ما أفتحه، عماد قال
على فكرة، فيه حاجة تانية حصلت وأنا بنضف العربية.
بصيتله بقلق
إيه هي؟
قال
تحت الكرسي، جنب الظرف، لقيت رقم تليفون مكتوب على قصاصة ورق صغيرة. بس الورقة كانت قديمة ومقطوعة، ومقدرتش أفهم الرقم كله.
قلبي انقبض.
حطيت الظرف في شنطتي، وشكرته، ورجعت البيت بسرعة.
دخلت أوضتي وقفلت الباب، وفضلت أبص للظرف دقايق طويلة قبل ما أفتحه.
وفي الآخر، طلعت منه ورقتين.
الأولى كان مكتوب فيها
بنتي ليلى الحبيبة
لو إنتِ بتقري الكلام ده، يبقى غالبًا أنا مش موجود جنبك، ومش قادر أقولك الكلام ده بنفسي.
عارف إنك هتزعلي لما تعرفي إني خبّيت عنك سر كبير، لكن صدقيني، أنا عملت كده علشان أحميكي.
فيه حاجات كتير حصلت قبل مرضي بسنين، وكنت فاكر إني هاخدها معايا